تهدئة متأرجحة ووثيقة تفاهمات على الطاولة

تهدئة متأرجحة ووثيقة تفاهمات على الطاولة
غزة (أب)

تشير تحليلات إسرائيلية إلى حالة من عدم الوضوح بشأن وقف إطلاق النار غير الرسمي مع قطاع غزة، سواء في وسط عدد من الوزراء، وخاصة في المجلس الوزاري المصغر، أو وسط الجمهور عامة.

وكان قد وجّه عدد من الوزراء في المجلس الوزاري المصغر، صباح اليوم الأربعاء، انتقادات حادة لكيفية إدارة الجولة القتالية الحالية مع قطاع غزة، وأن رئيس الحكومة ينظر إلى الأوضاع بمنظار انتخابي وليس بمنظار أمني.

وتبين أن بعض الوزراء ربطوا بين الانتخابات وبين القرارات التي اتخذت من قبل المستوى السياسي، وأشار آخرون إلى أنه لا يعرفون، كباقي الجمهور عامة ومستوطني غلاف غزة خاصة، ما إذا كان هناك وقف إطلاق نار أم لا.

وألمحت تحليلات أخرى إلى إمكانية التوقيع قريبا على وثيقة تفاهمات، خاصة مع عودة الوفد الأمني المصري إلى قطاع غزة، رغم أن الأنظار تتجه إلى التطورات التي قد تحصل في ذكرى يوم الأرض، السبت، وبمناسبة مرور عام على انطلاق مسيرات العودة.

وقف إطلاق نار متعثر

من جهته كتب المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، اليوم، أنه لا يزال وقف إطلاق النار غير الرسمي على حدود قطاع غزة، بوساطة مصرية، متعثرا، حيث أطلقت، منذ ساعات مساء أمس الثلاثاء، 3 صواريخ من قطاع غزة باتجاه شمالي وغربي النقب، تم اعتراض اثنين منهم، ورد الجيش الإسرائيلي بقصف جوي محدود نسبيا، فجر اليوم، في رفح وخان يونس.

وكان إطلاق الصاروخ الأول بعد وقت قصير من إعلان قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية عن العودة إلى الحياة الاعتيادية في غلاف غزة.

في هذه الأثناء فإن الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى بسبب الخشية من تحول المظاهرات المخطط لها نهاية الأسبوع إلى مواجهات عنيفة.

وفي هذا السياق لفت المحلل العسكري إلى أن المستشار للأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات، وبتكليف من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، على تواصل مع الوفد الأمني المصري، الذي يفترض أن يعود اليوم إلى قطاع غزة في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تمنع التصعيد، وربما تحقق تهدئة تستمر إلى ما بعد الانتخابات.

وبحسبه، فإنه يبدو في هذه المرحلة أن التصعيد سوف ينتهي كما انتهت الجولات السابقة في العام الماضي. ورغم الإصابة المباشرة بالصاروخ للمبنى في "موشاف مشميرت" وإصابة 7 أشخاص، وفي توقيت "غير مريح": قبل الانتخابات بأسبوعين وفي أوج زيارة سياسية لنتيناهو لواشنطن، واضطراره لقطع زيارته وإلغاء خطابه أمام  جمهور مؤتمر "إيباك"، وتجنيد الاحتياط، ونشر لواءين من القوات النظامية في الجنوب، إلا أنه على أرض الواقع لم يحصل تغيير كبير، حيث أن سلاح الجو استهدف عشرات الأهداف في قطاع غزة، ولكنه شدد على القصف الانتقائي واتخاذ جانب الحذر وبدون إيقاع إصابات.

ويتابع أن المتحدث باسم الجيش نشر، كالمعتاد، صورا جوية للمباني المدمرة، بينما صرح "مسؤول كبير" في حاشية رئيس الحكومة، والذي لن يجد الجمهور صعوبة في تشخيصه، أن "حماس تلقت ضربة هي الأقسى منذ الجرف الصامد (حرب 2014)"، وهو الادعاء نفسه الذي يطلق في كل جولة قتالية، بما يبدو وكأن وقف إطلاق النار غير الرسمي أصبح ساري المفعول.

ويضيف أن نتنياهو أجرى مشاورات أمنية بعد عودته، وإذا تبين أنه قرر وقف العمليات، فإن يعرض نفسه لنيران خصومه السياسيين، خاصة وأنه لم يخف في الشهور الأخيرة تحفظاته من عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة والتي قد تجر إسرائيل إلى حرب برية قبل الانتخابات.

كما يلفت هرئيل إلى أن أزمة نتنياهو تجلت في حديثه مع الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة عائدا إلى البلاد، حيث أصر الصحافيون على سؤاله عن الوضع على حدود قطاع غزة، إلا أنه فضل التذمر من عدم التغطية كما يجب لإعلان الرئيس الأميركي "اعترافه" بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان السوري.

وعن الأهداف الإسرائيلية التي تسعى إليها، قال وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، يوم أمس، إن الهدف هو "العودة إلى التفاهمات التي أنهت الحرب عام 2014، وتشمل وقف مسيرات العودة الأسبوعية على طول السياج الحدودي، والفعاليات الليلية الأسبوعية (الإرباك الليلي)".

من جهته يخلص المحلل العسكري إلى أن الجيش الإسرائيلي يبقي على كافة الاحتمالات، حيث تستمر حالة التأهب تحسبا لمظاهرات السبت، التي تتزامن مع يوم الأرض، بينما يحاول الوفد الأمني المصري التهدئة، مشيرا إلى أن حماس وافقت على إلغاء مسير بحري وتقليص الفعاليات الليلية قرب السياج الحدودي. وفي حال عدم التوصل إلى معادلة لضبط الاحتكاكات قرب السياج، فمن الممكن أن تندلع جولة تصعيد أخرى.

هل سيتم التوقيع على وثيقة تفاهمات؟

كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، أنه بالرغم من التقارير عن تعزيز القوات الإسرائيلية في الجنوب، فمن المحتمل اليوم أو يوم غد أن يتم التوقيع على وثيقة تفاهمات لوقف إطلاق النار.

وبحسبه، فإنه رغم التوتر القائم ورغم التحشيد العسكري، فإن المبعوث المصري، أحمد عبد الحق، المسؤول عن الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية، سوف يصل قطاع غزة على رأس وفد أمني، بهدف الدفع على توقيع وثيقة تفاهمات، بناء على طلب حركة حماس.

ويضيف أن وثيقة التفاهمات هذه يفترض أن تضمن الهدوء في الشهور القريبة، وتشتمل أيضا على إعادة الإعمار في قطاع غزة، ووقف الفعاليات قرب السياج الحدودي، ووقف إطلاق البالونات الحارقة.

وكتب أن ما حصل في اليومين الأخيرين في قطاع غزة لم يكن "عسكريا"، وإنما هو سياسي، حيث أن اللاعبين المركزيين كانوا رئيس الحكومة ورئيس المجلس للأمن القومي، وليس رئيس أركان الجيش، حيث أن سلاح الجو والجيش لعبا دور أدوات الضغط.

كما اعتبر أن إطلاق الصاروخ باتجاه "موشاف مشميرت" حدث سياسي يحصل من وراء الكواليس، بمشاركة إسرائيل ومصر وحركة حماس.

وكتب أيضا أن التصعيد الحالي بدأ في 14 آذار/ مارس الجاري. وفي اليوم نفسه، اجتمع عبد الحق مع رئيس حركة حماس، يحيى السنوار، وكان أمامهما وثيقة تفاهمات معدة للتوقيع عليها، وتشتمل على سلسلة التزامات إسرائيلية ودولية تجاه قطاع غزة، مقابل موافقة حماس على عدة شروط وضعتها إسرائيل.

ويضيف أن أحد البنود في الوثيقة ينص على التزام حركة حماس بـ"الامتناع عن أي نشاط عنيف على طول السياج الحدودي لمدة عام. ولكن وبدل التوقيع على الوثيقة، وصلت أنباء عن إطلاق صاروخين بعيد المدى باتجاه وسط البلاد، وهو ما اعتبرته مصر محاولة من حماس لتحسين شروط التسوية.

كما اعتبر فيشمان أن إطلاق الصاروخ، يوم الإثنين، كان بهدف تحسين شروط التسوية، وبناء على تقديرات بأن إسرائيل لن تدخل في حرب قبل الانتخابات بأسبوعين.

ورجح فيشمان أن نتنياهو، وخلال المحادثات مع كبار المسؤولين المصريين، اتفقوا على عدم الإعلان عن وقف إطلاق النار، وإبقاء حركة حماس في حالة من الترقب، وانتظار سلوك الحركة في ذكرى مرور عام على مسيرات العودة، الجمعة، وفي ذكرى يوم الأرض، السبت. وينهي بالقول إن عدد البالونات الحارقة قد تراجع في هذه الأثناء، وأن التوقيع على الوثيقة يجعل الجيش الإسرائيلي يعود إلى قواعده.

مخاوف نتنياهو تتقاطع مع مخاوف الجيش

كتب المحلل العسكري لموقع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رون بن يشاي، اليوم، أن سعي نتنياهو لتجنب تصعيد قد يضر به في صناديق الانتخابات، يتقاطع مع مخاوف الجيش الإسرائيلي من أن تؤدي المواجهات، نهاية الأسبوع، إلى مقتل عدد كبير من الفلسطينيين (سبت أسود)، والمس بالشرعية، وإطلاق صواريخ وحملة عسكرية برية في موعد خاطئ، وبناء عليه، ولهدف عدم التخريب في جهود التهدئة، أصدر تعليمات بعدم إيقاع قتلى في ما أسماه المحلل العسكرية "قصف العقارات".

وفي التفاصيل، كتب أن نتنياهو يريد أن يمنع، وبأي ثمن تقريبا، معركة كبيرة في قطاع غزة قبل الانتخابات، وأوضح ذلك في المشاورات الأمنية التي أجراها يوم أمس، الثلاثاء، في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب.

ويشير، في المقابل، إلى أن الجيش، ولأسباب "عملانية"، غير معني الآن في شن حملة عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة، والتي قد تكون "غير مجدية وغير ضرورية بشكل كاف في الفترة الحالية".

وشدد بدوره على أن ما يقلق الشاباك والاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية هو الفعاليات التي تخطط لها حماس في نهاية الأسبوع، يومي الجمعة والسبت، مشيرا إلى أن التقديرات الإسرائيلية تتوقع سقوط عشرات القتلى الفلسطينيين ومئات الجرحى، الأمر الذي قد يدفع حماس والجهاد الإسلامي إلى الرد برشقات صاروخية وقذائف هاون، وعندها قد يضطر الجيش إلى الدخول في عملية برية واسعة النطاق في قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ.

ويتابع أن قيادة الجيش الإسرائيلي والشاباك يعتقدون أن الانجرار لهذه الحرب في غزة، الأسبوع القادم، غير مرغوب به، في أقل تقدير، وليس فقط بسبب اقتراب الانتخابات، وإنما لأن مثل هذه الحملة العسكرية ستكون غير ناجعة ولن تحقق أهدافها، علاوة على أن الجيش يفضل التوقيت الذي تختاره إسرائيل وليس حركة حماس، والذي رجح أن يكون في الصيف.

كما يأخذ بالحسبان اعتبارات أخرى، وهي الشرعية الدولية، حيث أنه بعد مقتل عشرات الفلسطينيين قرب السياج الحدودي فإن إسرائيل ستجد صعوبة في تبرير وحشيتها تجاه الغزيين في وسط الرأي العام العالمي ومجلس الأمن الدولي.

وبناء عليه، فإن نتنياهو طلب من الجيش قصف قطاع غزة بدرجة منخفضة، لتجنب سقوط قتلى وجرحى، وفي الوقت نفسه بذل الجهود في منع المظاهرات الحاشدة، بأي ثمن، قرب السياج الحدودي يومي الجمعة والسبت.

ولذلك، يضيف المحلل العسكري، تجري مفاوضات مع حركة حماس بوساطة مصرية، وبشكل مواز يتم "قصف العقارات" وتجنب سقوط قتلى من أجل عدم التخريب في احتمالات موافقة حماس على تخفيف حدة المواجهات المقبلة قرب السياج الحدودي.

وتشمل المطالب الإسرائيلية لتخفيف حدة المظاهرات عدم الاقتراب من السياج الحدودي بمسافة تقل عن 100 متر غربي السياج.

ويخلص إلى أن الكرة تتدحرج من ملعب إلى ملعب، بين إسرائيل التي يمثلها رئيس المجلس للأمن القومي، مئير بن شبات، وبين الجنرال المصري عبد الحق، وبين قيادة حركة حماس، إسماعيل هنية ويحيى السنوار، وقيادة حركة الجهاد الإسلامي.