اعتداءات إسرائيل بالعراق: عدم ثقة بالأميركيين وغضب في البنتاغون

اعتداءات إسرائيل بالعراق: عدم ثقة بالأميركيين وغضب في البنتاغون
مظاهرة في بغداد، أمس، بعد مقتل قيادي في الحسد الشعبي بغارة إسرائيلية عند الحدود العراقية - السورية (أب.)

اعتبر تقرير سري لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن الحكومة العراقية "تتردد" في الدخول في مواجهة مع ميليشيات الحشد الشعبي العراقية الموالية لإيران، وأن للولايات المتحدة "تأثير محدود" على ردع الإيرانيين. ومن جهة أخرى، نفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) علاقتها بالغارات والتفجيرات الإسرائيلية التي استهدفت الحشد الشعبي، فيما ذكر تقرير صحفي إسرائيلي أن صراعا دائرا بين الجيش الإسرائيلي والموساد، على خلفية العمليات الإسرائيلية في العراق، وأن الجيش يتهم الموساد بإخفاقات، في الوقت الذي يتعالى فيه التوجس في إسرائيل من اتساع دائرة الصراع مع إيران إلى العراق.

وأفادت القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية، اليوم الثلاثاء، بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية عممت تقريرا "سريا" على سفاراتها وممثلياتها في العالم، و"حذرت" فيه من تطورات في العراق. وقال التقرير إن "القيادة العراقية تواجه صعوبة في العمل ضد أنشطة (قائد فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإيراني) قاسم سليماني، لأنها حذرة وليست معنية بمواجهة مع طهران".

ويستعرض تقرير الخارجية الإسرائيلية العلاقات الأميركية – العراقية، واعتبر أنه "على الرغم من أن واشنطن تريد تقليص احتمالات الأضرار الإيرانية في العراق، إلا أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة في دفع خطوات في هذا السياق". وحسب التقرير، فإن بين أسباب ذلك "رغبة الولايات المتحدة في بالحفاظ على مصالحها في المنطقة، وخاصة المصالح الاقتصادية، وإلى جانب ذلك الرغبة الأميركية بالحفاظ على استقرار النظام العراقي والسيطرة الكبيرة للشيعة في هذه الدولة".

وحسب السياسة التي وضعها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، فإنه لا توجد حدود للصراع الدائر مع إيران، وأنه لا يقتصر على دول مجاورة لإسرائيل، أي سورية بالأساس. وقال نتنياهو، وفقا لبيان صادر عن مكتبه، أمس، إنه "سنكشف النقاب من الآن فصاعدا عن أي محاولة تقوم بها إيران لمهاجمتنا وأي محاولة إيرانية للاختباء وراء ذرائع مختلفة. أود أن أؤكد أننا لن نقبل بشن هجمات على إسرائيل من أي دولة في هذه المنطقة، مهما كانت. وأي دولة ستسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إسرائيل ستتحمل النتائج. وأشدد على أن الدولة ستتحمل النتائج". وجاءت هذه الأقوال في أعقاب استهداف قافلة سيارات للحشد الشعبي عند الحدود العراقية – السورية، وأسفرت عن مقتل قائد ميداني، وبعد سلسلة تفجيرات في معسكرات للجيش العراقي، في الأسابيع الأخيرة، تدعي إسرائيل أن إيران نقلت أسلحة إليها لاستخدام الحشد الشعبي أو لنقلها لاحقا إلى سورية وحزب الله في لبنان.

البنتاغون ينفي علاقته بالعمليات الإسرائيلية

في غضون ذلك، نفى البنتاغون، أمس، ضلوع الولايات المتحدة في الهجمات التي تعرضت لها ميليشيات الحشد الشعبي في العراق. وكان الحسد الشعبي اتهم الولايات المتحدة بالمشاركة في الهجمات أو تقديم غطاء جوي للغارات الإسرائيلية. واعتبر البنتاغون هذه الاتهامات بأنها "كاذبة ومضللة وتحريضية".

وقال المتحدث باسم البنتاغون، جوناثان هوفمان، إن "الولايات المتحدة لم تقم بالهجوم الأخير على قافلة أو أي هجمات أدت إلى انفجار مستودعات ذخيرة في العراق. ونحن ندعم السيادة العراقية، وتحدثنا كثيرا عن أي أعمال محتملة من قبل أطراف خارجية تحرض على العنف في العراق".

وأضاف هوفمان أن "الحكومة العراقية لها حق السيطرة على أمنها الداخلي وحماية ديمقراطيتها. وكضيوف على العراق، تعمل القوات الأميركية بدعوة من الحكومة العراقية وتتقيد بجميع القوانين والتوجيهات. ونحن نتعاون بشكل كامل مع التحقيق"، الذي تجريه السلطات العراقية.

خلاف بين الجيش الإسرائيلي والموساد

أشار الصحافي أمير أورن، في موقع "واللا" الإلكتروني، اليوم، إلى وجود تخوف من تراجع العلاقات الوثيقة بين الجيش الإسرائيلي والبنتاغون، بسبب إخفاق الموساد، ويخيم في الأسابيع الأخيرة على أجواء الاتصالات بين قيادة الجيش الإسرائيلي ورئيس الموساد، يوسي كوهين. ويتهم الجيش الموساد بوجود خلل في أدائه، يهدد النسيج الرقيق للعلاقات مع جهاز الأمن الأميركي في واشنطن والمنطقة.

تفجير في العراق، قبل أسبوعين. هل نفذه الموساد؟ (أ.ب.)

ويتبين من تقرير أورن، وجود منافسة بين الجيش الإسرائيلي والموساد على قيادة الاتصالات مع أجهزة الأمن الأميركية. "الاتصالات اليومية يصونها الجيش الإسرائيلي، بواسطة شعبة العمليات والتخطيط والملحق العسكري في واشنطن"، مشيرا إلى أن العلاقة مباشرة بين الجيش الإسرائيلي والقيادة الوسطى في الجيش الأميركي، المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط، وتشمل الدول العربية وإيران وأفغانستان.

من الجهة الأخرى، يجري الموساد اتصالاته، بواسطة رئيسه، مع مندوب وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) في تل أبيب، وأيضا بواسطة رئيس بعثة الموساد في السفارة الإسرائيلية في واشنطن مع مكتب الارتباط مع إسرائيل في مقر الـCIA. وأحيانا يكون الاتصال مباشرا بين رئيس الموساد كوهين ورئيسة CIA، جينا هسبل. ووفقا لأورن، فإن "الموساد متعصب لحصرية قناة الاتصال هذه".

والصراع الحالي بين الجيش الإسرائيلي والموساد ليس الأول من نوعه، وفقا لأورن، الذي أشار إلى خلافات نشبت في الماضي بين رؤساء سابقين للموساد وبين ملحقين عسكريين أو رؤساء شعبة الاستخبارات العسكرية ("أمان")، إثر إجرائهم اتصالات مع مسؤولين في CIA. وأشار أورن إلى أن خلافات كهذه سببها عدم التوازن بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ونظيراتها الأميركية. فـ"أمان" يعتبر أهم جهاز استخبارات إسرائيلي، بينما CIA هو جهاز الاستخبارات الأميركي الأهم. كذلك فإن "أمان"، مثل الجيش الإسرائيلي، يخضع لإمرة وزير الأمن، والموساد يخضع لرئيس الحكومة، بينما CIA يخضع لإمرة الرئيس الأميركي مباشرة.

وكتب أورن أنه "على هذه الخلفية، تعالت مؤخرا مسألة التنسيق الإسرائيلي – الأميركي، فيما نُفذت في منطقة مسؤولية القيادة الوسطى (للجيش الأميركي) عملية ليست للجيش الإسرائيلي"، في تلميح لا يستبعد أن التفجيرات في معسكرات الجيش العراقي، في الأسابيع الأخيرة، نفذها الموساد. وحسب أورن، فإن القيادة الوسطى للجيش الأميركي "حساسة تجاه انتهاك سيادة دول تقع ضمن منطقة نفوذها وليس لها حدودا مع إسرائيل".

وأضاف أورن أن الموساد طالب بأن يكون الجهاز الذي يطلع الأميركيين، بواسطة قناة اتصاله مع CIA، ومنع الجيش الإسرائيلي من اطلاع الأميركيين بواسطة علاقاته مع القيادة الوسطى. وتابع أن "العملية (الإسرائيلية) فاجأت وأغضبت البنتاغون، وخاصة قائد القيادة الوسطى"، وأن "البنتاغون يرفض قبول نفي واعتذارات إسرائيلية"، لدرجة أن قائد القيادة الوسطى ألغى إيجاز صحافي عبر الهاتف، في نهاية الأسبوع الماضي، بسبب مشاركة صحافيين إسرائيليين.

حسابات الفائدة مقابل النجاعة

صرح نتنياهو أنه "لا أمنح إيران حصانة في أي مكان. ونحن نعمل في جبهات كثيرة ضد دولة تريد القضاء علينا، ومنحت قوات الأمن يدا طليقة وأوعزت بالقيام بما ينبغي من أجل إحباط خطط إيران هذه".

وأشار "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، في تقرير نشره أمس، إلى أنه رغم تصريحات نتنياهو، "إلا أن إسرائيل ترتدع، على ما يبدو، من مواجهة حزب الله، رأس الحربة في المحور الإيراني – شيعي، والمسلح في لبنان بمنظومة واسعة من الصواريخ والقذائف الصاروخية وطائرات بدون طيار، وخاصة بصواريخ دقيقة".

وحذر المعهد من أنه "إذا واصلت إسرائيل الهجمات في العراق، فإنه ستظهر مخاطر المس بأهداف ومصالح أميركية هناك. وحتى أن استمرار هذه السياسة قد يسرع انسحابا أميركيا من العراق بسبب ضغوط داخلية في العراق وفي الولايات المتحدة، تضاف إلى نية الرئيس ترامب المعلنة حيال سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط. وثمة أهمية، في سيناريو كهذا، أن تشترط الولايات المتحدة الانسحاب من العراق بتفكيك قوات ’الحسد الشعبي’ ودمجها بمؤسسات الدول، وتركيز احتكار القوات بأيدي الحكومة العراقية". واعتبر المعهد أن "خطوة في هذا الاتجاه من شأنها أن تشكل سابقة لمطلب دولي تجاه لبنان وحزب الله، بهدف تقليص تأثير إيران في ’الهلال الشيعي’ والمنطقة كلها".     

لكن المعهد أشار إلى أن "حسابات الفائدة مقابل النجاعة بالنسبة لإسرائيل، تدل حاليا على الإيجابيات في توسيع حيز العمل ضد إيران على طول ’المحور’ شرقا نحو تخوم العراق، ومن خلال الإشارة إلى تهديد إيران نفسها. لكن إضافة العامل الأميركي إلى هذه الحسابات، يدل على أنه من الجائز أن الصورة الشاملة، والأثمان التي ستضطر إسرائيل إلى دفعها، ستكون أكبر من الفائدة، بسبب انسحاب القوات الأميركية من العراق وسورية، بقاء إسرائيل وحدها في المعركة ضد التموضع الإيراني في المنطقة، واستمرار الإصرار الإيراني على تعزيز ’الهلال الشيعي’ من خلال الاستعداد لتحمل مخاطر متزايدة".

وختم المعهد تقريره بأن "المحاولة الإيرانية بشن هجمات بواسطة طائرات مسيرة صغيرة مفخخة في شمال إسرائيل، هو دليل على الإصرار الإيراني أو وصول إيران إلى نقطة مصيرية، تضطرها إلى تغيير شكل رد فعلها على العمليات الإسرائيلية. وستضطر إيران إلى اتخاذ قرار، قريبا، ما إذا كانت ستصعد رد فعلها ضد إسرائيل، أو تواصل التركيز على بناء منظومة الصواريخ الدقيقة في لبنان من عائق حقيقي. واستكمال هذا المشروع، إلى جانب فرصة عملانية وتجاوز عتبة التصعيد من جانب إسرائيل، كل هذه ستجعل الإيرانيين يردون بشكل مختلف عما فعلوه حتى الآن".