كوخافي ضعيف أمام اليمين: نتنياهو يستغل الجيش لأغراض انتخابية

كوخافي ضعيف أمام اليمين: نتنياهو يستغل الجيش لأغراض انتخابية
نتنياهو وكوخافي (مكتب الصحافة الحكومي)

بين التغييرات التي تشهدها إسرائيل على خلفية أزمة تشكيل حكومة جديدة، وتوقع استمرارها إلى ما بعد انتخابات الكنيست، التي ستجري بعد 11 يوما، تغيير ينعكس على تحولات في السياسة الأمنية وتحويلها إلى أداة في خدمة احتياجات السياسيين. فمنذ حل الكنيست الـ20، قبل تسعة أشهر، يخرق الوزراء وأعضاء الكنيست أنظمة الرقابة العسكرية في حملاتهم الانتخابية. لكن الأهم من ذلك، حسب تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" اليوم، الجمعة، هو أن "استخدام قضايا أمنية لأهداف انتخابية عزز بشكل كبير الشعور بأن الصورة الحيادية للجيش الإسرائيلي وحرصه على السرية الأمنية قد تصدعت لاعتبارات سياسية – حزبية".

ولفتت الصحيفة إلى أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، "الذي يحظى بتأييد في أحزاب اليمين، امتنع عن وضع حدود لاستخدام جهات سياسية، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، للجيش وله نفسه".

وقال مسؤولون في جهاز الأمن الإسرائيلي إنه بات من الصعب منع السياسيين من التصريح في شؤون أمنية. "هذه فترة صعبة بالتأكيد. وليس بإمكان أحد التوجه إلى رئيس الحكومة والوزراء والقول لهم ألا يتحدثوا وألا ينشروا تصريحات حول قضايا أمنية، حتى لو أدى ذلك، في حالات عديدة، إلى المس بالأمن بشكل كبير".  

وأحد الأمثلة على أداء السياسيين، هو إعلان الوزير يوءاف غالانت، بعد وقت قصير من عملية أفيفيم، يوم الأحد الماضي، أنه "وفقا لكافة التقارير التي تلقيتها، لا يوجد إصابات"، وذلك في الوقت الذي حاول فيه الجيش الإسرائيلي التعتيم على الوضع في الجانب الإسرائيلي، ونفذ عملية تضليل حول نقل جنود مصابين، بهدف جعل حزب الله يفهم أنه هجومه أوقع إصابات وأن يوقف إطلاق النار. بعد ذلك ادعى غالانت أنه أطلق تصريحه بالتنسيق مع الجيش، لكن الجيش نفى ذلك. وفي وقت لاحق، أعلن نتنياهو أنه "ليس لدينا جريحا ولا حتى مخدوشا".  

واتهم ضباط في الجيش الإسرائيلي، كانوا ضالعين في إدارة الحدث عند الحدود الشمالية، الرقابة العسكرية وأنه تعين أن تصمد أمام ضغوط السياسيين ومنع نشر تصريحاتهم، وأن الرقابة فشلت أمام المستوى السياسي. كذلك قال ضباط آخرون وسياسيون إنه "على ما يبدو أن الرقابة لم تحاول، في حالات عديدة، السيطرة على خرق السرية، ودوافع ذلك ليست واضحة".

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، منعت الرقابة وسائل الإعلام من النشر عن غارة إسرائيلية في سورية، لكن نتنياهو أن إسرائيل هي التي نفذت هذه الغارة، وذلك من دون تنسيق مسبق مع الرقابة. وفي العام الماضي، قبل أن يتولى نتنياهو منصب وزير الأمن أيضا، كشف خلال مؤتمر صحفي عن اقتحام الموساد لأرشيف البرنامج النووي الإيراني وسرقة كميات هائلة من الوثائق. وعقب مسؤولون في أجهزة الاستخبارات أن تصريحات نتنياهو ألحقت أضرارا.

كذلك أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي،  يسرائيل كاتس، بشكل مفاجئ، أن إسرائيل تشارك في التحالف الأميركي لضمان الملاحة في الخليج. ونقلت الصحيفة عن مصدر في جهاز الأمن قوله إنه "سواء كان هذا التصريح صحيح أم لا، فإنه مس بشكل كبير بأمن الدولة، وإذا كان التصريح صحيحا، فإنه قد يمس بجنود الجيش الإسرائيلي".  

وليس السياسيين من اليمين وحدهم يخرقون تعليمات الرقابة. ففي أعقاب العملية الفاشلة التي نفذتها وحدة إسرائيلية في خان يونس، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قالت الرقابة إن "حماس منشغلة في تحليل الحدث"، وأن "أي معلومة قد تشكل خطرا على حياة الإنسان وإلحاق ضرر بأمن الدولة. وطلبت المسؤولة عن الرقابة من الجمهور عدم نشر صور وتفاصيل حول الجنود الذين شاركوا في هذه العملية. إلا أن عضو الكنيست عن حزب العمل، شيلي يحيموفيتش، نشرت في صفحتها في "فيسبوك" صورة الضابط الإسرائيلي الذي قُتل في العملية وتفاصيل أخرى عنه. ولا تزال هذه المعلومات موجودة في صفحتها. وقالت يحيموفيتش إنه لم يطالبها أحد، باستثناء مكتب نتنياهو، بإزالة هذه المعلومات. وتعتقد يحيموفيتش أن الضغوط التي مارسها مكتب نتنياهو عليها في هذه القضية، نابع من الانتقادات التي وُجهت إلى نتنياهو بسبب سن "قانون القومية"، ما يشير إلى هوية الضابط القتيل.  

كوخافي يطلق تصريحات جوفاء

يدعي مسؤولون في جهاز الأمن الإسرائيلي أن إزالة التعتيم يمس بالجيش الإسرائيلي، وأن قوة الضرر يُقاس بالضرر المتراكم، وليس بكل نشر على انفراد. وأشار أحد هؤلاء المسؤولين، فإنه خلافا للتسريبات من جهات مجهولة، فإن نشر تفاصيل على لسان شخصيات عامة رفيعة يلحق ضررا بالعمليات الأكثر حساسية وينسب لإسرائيل مسؤولية معلنة لأحداث يمكن أن تغير الواقع الإقليمي.

وانتقد التقرير كوخافي، الذي كان يتحدث قبل تعيينه رئيسا لأركان الجيش عن الحاجة إلى التعتيم في الشؤون الأمنية، والآن امتنع عن التعبير عن موقفه على تسريبات السياسيين عشية الانتخابات. "يواجه كوخافي صعوبة في وضع حدود في المعركة على حيادية الجيش، في الوقت الذي يستخدمه مسؤولون سياسيون، وفي مقدمتهم نتنياهو، لاحتياجاتهم. وسياسة كوخافي الإعلامية حولته بقدر كبير إلى شخص عزيز بالنسبة للسياسيين اليمينيين، خلافا لسلفه غادي آيزنكوت، وصمته حيال مواضيع حارقة من الناحية السياسية تخدمهم"، حسب التقرير.

وقال سياسي من معسكر اليسار الإسرائيلي إن "كوخافي يستند، على ما يبدو، من كل الإطراءات التي يتلقاها في الشبكات الاجتماعية على ’إعادة الردع’، وهو يشعر بالارتياح من هذا العناق".

وخلال المعركة الانتخابية الحالية، يستخدم حزب الليكود تقريرا أصدره مراقب الدولة حول أداء الجيش خلال العدوان على غزة، عام 2014، لمناكفة خصم نتنياهو، رئيس حزب "كاحول لافان"، بيني غانتس، الذي كان رئيس أركان الجيش حينها. وكان كوخافي خلال العدوان رئيسا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتقرير المراقب حمل كوخافي مسؤولية عدم إطلاع الحكومة الإسرائيلية على موضوع الأنفاق الهجومية من غزة.

وقالت الصحيفة إن "كوخافي يدرك أن أي تصريح يدلي به الآن سيدخله إلى الحلبة السياسية، وهو يمتنع عن ذلك. وخلال المراسم العسكرية، يتحدث كوخافي عن مواضيع عسكرية أو اقتصادية، كي لا يجعل أحدا يشعر بعدم الارتياح. ومواضيع مثل التديين في الجيش، المساواة بين الجنسين، أخلاقيات الحرب أو أهمية التعتيم لا يذكرها في خطاباته".

كذلك لم يجرؤ كوخافي على التحدث مع جنود من أصل أثيوبي، أثناء مظاهراتهم ضد العنصرية تجاههم وتعامل الشرطة معهم، إلا بعد مضي أسابيع على انتهاء احتجاجاتهم. كما عبر ضباط كبار عن استغرابهم من إلغاء كوخافي خطة لدمج مجندات في سلاح المدرعات، وخاصة من "تخوفه من جهات سياسية أثناء الانتخابات". فقد شنت جهات في اليمين وحاخامات في الصهيونية الدينية حملة شرسة ضد مجندات وضد آيزنكوت، الذي وضع هذه الخطة.

في موازاة امتناعه عن إثارة غضب المستوى السياسي، يبدو أن كوخافي يسعى لتعظيم نفسه كـ"رئيس أركان هجومي". وقال في ختام تدريب عسكري، إنه "طرأ هنا ارتقاء درجة هامة للغاية. ومستوى الجهوزية مرتفع جدا استعدادا لحرب محتملة". وعقب مسؤول عسكري على تصريحات كوخافي بالقول إنه "توجد فجوة كبيرة بين ما استعرضه كوخافي وبين التغييرات المطلوبة ميدانيا. ورغم تفاخر كوخافي، إلا أن الخطط العسكرية لم تتغير". كما أن الصحيفة أشارت إلى أن استخدامه في خطاباته لكلمات مثل "هجوم فتاك" و"انتصار" و"إبادة العدو"، جوفاء وفارغة من أي مضمون في الواقع الحالي، وكوخافي يدرك أنه سيستفيد منها ولن تزعج المستوى السياسي".

يشار إلى أن بيانات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تمر عبر مكتب المتحدث باسم رئاسة الحكومة، لأن نتنياهو يتولى منصب وزير الأمن أيضا. لكن الأمر الذي ساعد كوخافي في التقرب من اليمين، ومن نتنياهو، وفقا للصحيفة، كان قراره بتعيين الضابط اليميني المتطرف، العميد عوفر فينتر، الذي دعا جنود إلى شن حرب دينية ضد غزة، عام 2014، ورفض آيزنكوت ترقيته، قائدا للفرقة 98 في سلاح المظليين. ورحب بهذا التعيين جميع قادة اليمين وحاخامات الصهيونية الدينية المتطرفين.