انتخابات الكنيست: بين اليهود والإسرائيليين

انتخابات الكنيست: بين اليهود والإسرائيليين
غانتس يصافح رئيس صندوق اقتراع حريدي. راس العين، اليوم (أ.ب.)

تجري الانتخابات العامة للكنيست، اليوم الثلاثاء، في ظل شرخ واسع بين الإسرائيليين، ورغبة قسم منهم بأن تقود هذه الانتخابات إلى نهاية عهد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو. وإذا تبين خلال المشاورات التي سيجريها الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، مع مندوبي الكتل في الكنيست، بعدم وجود أغلبية ستوصي بتكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة المقبلة، فإن الذين يتمنون نهاية عهده سيشكلون أغلبية بين الإسرائيليين، لكن ليس بالضرورة أن ينجحوا في تشكيل الحكومة المقبلة، فالوضع في إسرائيل معقد أكثر من مجرد أغلبية مقابل أقلية.

وكتب المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، أن المعركة الانتخابية الحالية "تركزت على شخص واحد، هو بنيامين نتنياهو. والسؤال المركزي المطروح يبدو كأنه بسيط، وهو هل بعد عشر سنوات متواصلة في رئاسة الحكومة، من اللائق انتخاب نتنياهو لولاية أخرى؟ والإجابة على هذا السؤل أقل بساطة بكثير مما تبدو. فهي تقودنا إلى أعماق النفسية الإسرائيلية، المخاوف، الآمال، الاحتياجات، التطلعات".

ولفت برنياع إلى أن "الراحل أرتور فينكلشطاين، المستشار الإستراتيجي الأسطوري لنتنياهو ورئيس حزب يسرائيل بيتينو، أفيغدور ليبرمان، صاغ اختبار الهوية السياسية لـ80% من مواطني إسرائيل (أي اليهود)، بطرحه سؤالا عليهم، حول من هم أولا، يهود أم إسرائيليون. ومن يجيب بأنه إسرائيلي، فهو يساري". وينبغي الإشارة هنا إلى أن مفهوم" اليساري" في إسرائيل ليس كمفهومه خارجها، وليس أنه يتبنى مبادئ يسارية من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ولا حتى تبني مواقف سلمية وحل الدولتين، وإنما "اليساري" في إسرائيل، هو الذي لا يؤيد اليمين الإسرائيلي، و"اليساري" هي تسمية أو صفة وضعها اليمين.

وأضاف برنياع أن "طرح فينكلشطاين كان غير أخلاقي ومعاديا للصهيونية، لكن يوجد فيه الكثير من الحقيقة. فقد أراد آباؤنا أن ينشأ هنا شعب جديد، شعب عبري، إسرائيلي. بوتقة صهر تبلور الشعب اليهودي من جديد. وفهم فينكلشطاين، الذي لم يكن أخلاقيا ولا صهيونيا، الإسرائيليين أكثر منهم. وتحولنا خلال سنوات نتنياهو العشر، بالمفهوم السياسي على الأقل، إلى يهود أكثر وإسرائيليين اقل".

وحول اليمين الإسرائيلي، أشار برنياع إلى أن الزعيم الأول لحزب الليكود أقام الحزب من أشلاء أحزاب "وأنشأ من الحزب قبيلة. ونتنياهو قام بتوسيع هذه القبيلة. ولم يعد ناخبو الليكود فقط في هذه القبيلة، وإنما انضم ناخبو شاس ويهدوت هتوراة والمفدال وكهانا. ولم يعد اليمين معرفا وفقا لمواقف سياسية أو اجتماعية. فالحريديون، الذين كانوا حذرين في الماضي غير البعيد من التماثل مع أحد المعسكرين، وكانوا ضد الدولة من الناحية الأيديولوجية، وكانوا أقرب إلى اليمين عاطفيا وإلى اليسار سياسيا، هم اليوم يمين صرف. ومن السهل القول إنهم يؤيدون نتنياهو لأنه يغدق عليهم ميزانيات وأعفاهم من الخدمة العسكرية. فهذا نصف الحقيقة. والذهاب إلى اليمين جاء من أسفل أولا، من الشارع الحريدي. والسياسيون انجروا وراء الشارع".

كذلك فإن التمييز بين اليميني واليساري، وفقا لبرنياع، هو "إذا كنت تؤيد تديين (الحيز العام) فأنت يهودي؛ وإذا كنت ضد تديين كهذا فأنت يساري. وليبرمان، الذي تحول في المعركة الانتخابية الحالية إلى حامل رسالة العلمانية، اتهم باليسارية على الفور. العلماني يساوي يساري يساوي إسرائيلي".          

وأردف أنه "لو كان فينكلشطاين ما زال على قيد الحياة اليوم، لاقترح صيغة جديدة. اختبار (الجندي القاتل) إليئور أزاريا: إذا كنت تؤيد أزاريا فأنت يهودي، أنت يمين، وإذا كنت ضد أزاريا فأنت إسرائيل، أنت يسار. ووسع نتنياهو، بطريقته الملتوية، في هذه القضية حدود اليمين الشرعي. وجاءت بعدها الشرعية للكهانيين (الفاشيين)".

ولم يجر نقاش عام، خلال المعركة الانتخابية، حول شبهات الفساد ضد نتنياهو، حسب برنياع، وأن هذه الشبهات لن تقنع ناخبين يمينيين بالانتقال إلى المعسكر الآخر، وأن هناك ناخبين يمينيين مقتنعين بأن هذه الشبهات هي "مؤامرة يسارية"، بينما يعتقد الآخرون أن نتنياهو "يعمل بجد، وينبغي عدم سد الطريق أمام ثور جارٍ".

واعتبر برنياع أن "لوائح الاتهام ستكون الموضوع الساخن غدا، بعد أن تنهي لجنة الانتخابات فرز الأصوات. ونتنياهو بحاجة إلى ائتلافين. الأول ضيق، سيحرره من الإجراءات القضائية ضده؛ والثاني أوسع، سيمكنه منن الحكم. والحسم الحالي ليس بين يمين ويسار وإنما بين لوائح اتهام وحصانة. وربما هذا هو سبب اغتراب الناخبين".

مهارات نتنياهو في السحر والشعوذة

من جانبه، رأى محلل الشؤون الحزبية في صحيفة "هآرتس"، يوسي فيرطر، أن "نتنياهو سيحتاج إلى كافة مهارات السحر والشعوذة التي يملكها، من أجل إثبات خطأ الاستطلاعات وإنقاذ نفسه من المحاكمة وإنزال مصيبة على اليسار الإسرائيلي، بحيث لا ينتعش منها لسنوات". وأشار إلى أن الاستطلاعات تظهر تعادل قوة حزب الليكود وكتلة "كاحول لافان" برئاسة بيني غانتس، بينما كتلة اليمين لا تصل إلى 61 عضو الكنيست، من أجل تشكيل حكومة، "وعلى نتنياهو الانتصار في كلتا الجبهتين، والكتلة أهم طبعا، من أجل تحييد ترجيح الرأي لدى الرئيس الإسرائيلي بالكامل. ومن الناحية العددية، هو واليمين قريبون من ذلك".    

ورأى فيرطر أن "انتصارا يعقبه تشكيل ائتلاف يمين – حريديين سيمنح نتنياهو، من وجهة نظره، رخصة لكسر كل من جهاز إنفاذ القانون، الاستشارة القضائية، المحاكم والصحافة الحرة. وباختصار، سيكسر أرجل الديمقراطية الإسرائيلية التي صمدت بالحروب والانتخابات واغتيال رئيس حكومة".  

وأضاف أن "فوز نتنياهو سيعوضه عن حملة انتخابية عنصرية، كاذبة وعنيفة لم تشهد إسرائيل مثلها أبدا من حزب حاكم. وقد قاد نتنياهو شخصيا هذه الحملة الانتخابية، مع ثلة من المساعدين الموهوبين، عديمي الأخلاق والكوابح مثله".

وعزا فيرطر إجراء انتخابات ثانية خلال العام الحالي إلى أنها نابعة من اعتبارات شخصية والتهرب من لوائح اتهام، وأن "دولة متنورة وعصرية انجرت مرتين إلى انتخابات بواسطة مشتبه بمخالفات جنائية. وإذا خرج نتنياهو من هذه الانتخابات ’ساحرا’ و’ملكا’ فإنه سيعلن أن الجمهور، الذي يعرف صورة الأدلة، برأه من كافة التهم". وتوقع أنه "إذا خسر نتنياهو الانتخابات، فإنه لن يتورع عن القيام بأي شيء من أجل التمسك بالحكم، لأن البديل، باحتمال كبير، هي المحاكمة والإدانة والحبس".

وأضاف فيرطر أن "61 عضو كنيست (من اليمين والحريديين) سيقودون إلى تشكيل حكومة أكثر حكومة متطرفة ومهووسة في تاريخ إسرائيل. وسيتولى فيها مناصب عليا مشتبهون ومتهمون ومدانون بمخالفات جنائية، وحريديون – قوميون، يتوقون إلى العصور الوسطى، ومؤيدو (الحاخام الفاشي) مئير كهانا، ومحبو السفاح باروخ غولدشطاين".

والبديل وفقا لفيرطر، هو "تشكيل حكومة وحدة بمشاركة الليكود وكاحول لافان. ولا توجد إمكانية واقعية بتشكيل حكومة وسط – يسار برئاسة بيني غانتس".

حكومة وحدة

اعتبر محلل الشؤون الحزبية في هيئة البث العام "كان"، يوءاف كراكوفسكي، في تحليل نشره في صحيفة "معاريف"، أنه على الرغم من تعهد غانتس بعدم مشاركة "كاحول لافان" في حكومة برئاسة نتنياهو، إلا أنه "في حال وصلنا إلى تعادل بين المعسكرين، ستكون هناك ضرورة لتشكيل حكومة وحدة قومية بين نتنياهو وغانتس، رغم أن كلاهما لا يريدان ذلك. ولم يرغب بحكومة كهذه (زعيم الليكود) يتسحاق شامير وشمعون بيرس (زعيم العمل)، في العام 1984، وفي نهاية الأمر شكلا حكومة وحدة واستمر التعاون بينهما ست سنوات".

ورجح كراكوفسكي أنه في سيناريو كهذا سيكون التناوب على رئاسة الحكومة مناصفة بين نتنياهو وغانتس. "وسينص الاتفاق بين الحزبين على أنه في حال تقديم لائحة اتهام ضد رئيس الحكومة (نتنياهو)، فإنه سيتم تقديم التناوب، وغانتس سيدخل إلى مكتب رئيس الحكومة ونتنياهو سيتولى منصبا رفيعا في الكنيست، مثل رئيس لجنة الخارجية والأمن".

وأضاف أنه "إذا تمت تبرئة نتنياهو، مثلما يعتقد، فإنه في نهاية السنتين (لولاية غانتس) يعود نتنياهو إلى رئاسة الحكومة. وهذه الطريقة الوحيدة التي ستمكنه من العودة إلى المنصب. وإذا أدين، فإن هذه ستكون قصة أخرى. ولن يؤكد أحد هذا السيناريو، ولكن إذا وصلنا إلى طريق مسدود، فإن هذا هو الحل، ولا يوجد غيره".