"ألمانيا عشية صعود النازية شهدت، أيضًا، ثلاث انتخابات خلال سنتين"

"ألمانيا عشية صعود النازية شهدت، أيضًا، ثلاث انتخابات خلال سنتين"
صعود هتلر (أرشيف أ ب)

شبه المؤرخ الإسرائيلي المختصّ بالمحرقة النازيّة، دانييل بالطمان، وضع السياسة الإسرائيلية اليوم، بالوضع الذي ساد في ألمانيا عشية صعود زعيم الحزب النازي، أدولف هتلر، إلى الحكم، حيث سبقت ذلك ثلاث معارك انتخابية للرايخستاغ خلال سنتين، في أيلول/ سبتمبر 1930 وفي تموز/ يوليو 1932 وفي تشرين ثانٍ/ نوفمبر 1932 .

وأشار بالطمان في مقال نشرته "هآرتس" إلى أنّ مميزات الساحة الألمانية، في حينه، من حالة عدم الاستقرار الذي ساد النظام السياسي، إلى عدم القدرة على إقامة حكومة ثابتة من قبل اليسار أو يمين الوسط، وأحابيل السياسيين، إلى جانب وجود قوة فاشية منظمة، تسعى لاستلام السلطة ودفن الديمقراطية، كلها مميزات شبيهة، إلى حدٍ بعيد، بالحالة السائدة في إسرائيل اليوم. 

ففي عام 1930، فازت كتلة اليسار المؤلفة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي بـ30.7% من الأصوات، كما يقول، وفي انتخابات تشرين ثانٍ 1932، فازت بـ29.8%، كذلك حافظت كتلة الوسط الكاثوليكية على قوتها، حيث حصلت على 12.1% في انتخابات 1930 وعلى 13.4% في انتخابات تشرين ثانٍ 1932، في حين أنّ حالة التأرجح كانت من نصيب الحزب النازي، الذي ارتفع من 14.9 عام 1930 إلى 31.2 في تموز 1932، ليهبط إلى 26.5% في انتخابات تشرين ثانٍ، من نفس العام.

ويقول بالطمان إنّ الرئيس الألماني، المارشال باول فون هايندبرغ، الذي تمتّع في حينه بصلاحيات تفوق صلاحيات رئيس دولة إسرائيل، رؤوفين ريفلين، وجد نفسه بعد معركة انتخابية أخرى لم تؤدِ إلى حسم سياسي في تشرين ثانٍ 1932، في وضع شبيه بوضع ريفلين اليوم، وأمام سؤال حول سبيل الخروج من الفراغ السياسي ومنع الانهيار والفوضى التي من شأنهما جلب هتلر إلى الحكم.

ويخشى ريفلين، بحسب بالطمان، من جولة انتخابية ثالثة، ليس لأن الجمهور تعب فقط، بل خوفًا من أن ينجح رئيس الحكومة الحاليّة، بنيامين نتنياهو، في إخضاع مصير الدولة لمصير تورّطه القضائي وتشكيل ائتلاف واسع يتوحد حول الطموح بالقضاء على الديمقراطية الإسرائيلية. وهو ائتلاف، بحسب بالطمان، يضم ميكي زوهر (الليكود)، الذي يؤمن بتمتع العرق اليهودي بصفات خاصة، ومؤيدي أبرتهايد وتطهير عرقي مثل بتسلئيل سموتريتش ("البيت اليهودي")، ومجموعة "لهفا" و"عوتسماه يهوديت"، الذين لا يخشون من استعمال العنف ضد المواطنين العرب للحفاظ على "طهارة الدم اليهودي" إضافة إلى "ديمقراطيين متنورين" مثل أرييه درعي ("شاس") ويعكوف ليتسمان ("يهدوت هتوراه").

ومن السهل، كما يقول المؤرخ الإسرائيلي، إقناع شعب تَعِبَ، وأصابه الاشمئزاز من معارك تعبق بالحقد والكراهية، أنّه ليس من الأهمية بمكان إدارة عجلة "الروليتا الروسية" كل أربع سنوات، ويمكن تحويل ذلك إلى إجراء رمزي فقط.  

جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي الشهير، وصف ما حدث في ألمانيا في تشرين ثانٍ 1932 بلعبة الشطرنج، وهتلر الذي ضعفت قوته في تلك الانتخابات رفض التفاوض مع أي حزب حول تشكيل الحكومة قبل أن يتم تكليفه بتشكيلها، كذلك حال نتنياهو اليوم، برأي بالطمان، الذي يرفض إقامة حكومة وحدة وطنية، إذا لم يكن الأول في التناوب على رئاستها، وتضم ائتلافه المكوّن من 55 عضو كنيست.

أما حال ريفلين، فهو كحال هايندبرغ قبل 85 سنة، يؤمن بفرملة تقدم نتنياهو نحو القضاء على الديمقراطية الإسرائيلية، بواسطة منظومة مناسبة من التوازنات والضوابط. ومثلما أمل هايندبرغ عام 1932 في إدارة المستشار غير المجرّب بواسطة شركائه من أحزاب اليمين التقليدي وعوامل قوة في السوق، يأمل ريفلين بفرملة نتنياهو عام 2019، بواسطة رئيس حكومة مع وقف التنفيذ وبمساعدة سياسي بدرجة منخفضة (رئيس "كاحول لافان"، بيني غانتس) يحل محل رئيس الحكومة، ولكن درس 1933 يجب أن يضيء، برأي بالطمان، الكثير من الأضواء الحمراء.

ويوازي بالطمان، بين الحزب الديمقراطي الاشتراكي، الذي تخوف من التحالف مع الحزب الشيوعي الألماني وفرملة التيار النازي الذي قاده هتلر وبين قائمة "كاحول لفان"، التي تتخوّف من التحالف مع القائمة المشتركة، مشيرًا إلى أنه بعكس الشيوعيين الألمان، الذين كانوا مخلصين للاتحاد السوفييتي وتبنوا الصراع الطبقي، فإنّ القائمة المشتركة، رغم وجود أطراف تتبنى إحداث تغيير بنيوي أساسي وتحويل الدولة إلى دولة لكل مواطنيها، يقودها سياسي شجاع، على حد تعبيره، هو أيمن عودة الذي قطع أكثر من نصف الطريق للتعاون مع جسم سياسي صهيوني واضح، حتى بثمن الاصطدام مع أطراف سياسية عربية، وذلك لدرء الخطر الذي يشكل خطرا على الجميع، كما يقول.