قلق إسرائيل من تبعات الهجوم التركي في سورية

قلق إسرائيل من تبعات الهجوم التركي في سورية
قصف تركي على راس العين السورية، أمس (أ.ب.)

إحدى السياسات الإسرائيلية الإستراتيجية التقليدية تجاه العالم العربي هي إقامة علاقات مع أقليات إثنية وطائفية، وإظهار تعاطف معها، وتقديم مساعدات لها. وأبرز مثالين على ذلك، هو دعم الكتائب في لبنان، وحتى محاولة تنصيب رئيس للدولة من هذا الحزب، والدعم العسكري الكبير الذي قدمته إسرائيل لكردستان العراق.

ورغم أن هذه الإستراتيجية الإسرائيلية مختلفة تجاه الأكراد في سورية، إلا أنها تدعي "تعاطفا" معهم و"قلقا" على مصيرهم، لكن ما يدفع إسرائيل إلى ذلك ليس الأكراد، وإنما أسباب أخرى، بينها العداء لتركيا، التي تشن اجتياحا في منطقة الأكراد في سورية، ولأنه لا يتوقع رد فعل على الاجتياح من جانب حليفتي النظام السوري، روسيا وإيران.

والسبب الأساسي بالنسبة لإسرائيل، ويظهر ذلك جليا في صحافتها، يكمن في السياسة الأميركية، التي اعتبروا أنها تمثل تخليا عن الشرق الأوسط، بسحب قوات أميركية، ومنح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضوءا أخضر لنظيره التركي، رجب طيب إردوغان، بشن العملية العسكرية في مناطق الأكراد، الذين كانت واشنطن قد دعمتهم حتى قبل أسابيع قليلة.

ووفقا للمحاضر في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، البروفيسور أيال زيسر، فإن "ترامب كان محقا بقوله إنه لم يكن لدى الولايات المتحدة أبدا مصالح في سورية... لكن القوات الأميركية لم تأتي إلى سورية، منذ البداية، من أجل إنهاء الحرب الدموية الدائرة فيها، وليس من أجل منح الحرية والعدالة لأبناء الشعب السوري أيضا. ولم يأتوا إلى سورية، مثلما أملت إسرائيل، من أجل لجم التطلعات التوسعية الإيرانية".

واعتبر زيسر، في مقال في صحيفة "يسرائيل هيوم" اليوم، الثلاثاء، أن "هدف الأميركيين كان محاربة داعش، الذي نجح في السيطرة على قرابة نصف مساحة سورية، وأطلق منها موجات إرهابية في أنحاء العالم ووصلت إلى الولايات المتحدة أيضا. والأميركيون هم آخر من يستخف بمخاطر الإرهاب... ونجح الجنود الأميركيون، الذين أرسلوا إلى سورية، بالقضاء على الخلافة التي أقامها داعش. ونجاح الأميركيين منسوب لتجند الأكراد في شمال سورية وغرب العراق، وإلى جانبهم الشيعة في العراق، الذين حاربوا وجها لوجه على الأرض. والمقاتلون الأكراد هم الذين خاضوا معارك قاسية ودموية واحتلوا قرية تلو الأخرى وبلدة تلو الأخرى من أيدي داعش وحتى النصر النهائي".  

وأضاف زيسر أن تغيرات طرأت في الحيز السوري – العراقي في العقد الأخير. "السكان السنة منهكون من الحرب، لكنهم ما زالوا يشعرون بالظلم والملاحقة من جانب حكام بغداد ودمشق، الذين يقودون أنظمة مصبوغة بألوان طائفية شيعية وعلوية. وتصاعد هذا الشعور بالظلم وحتى بالاشمئزاز في ظل الوجود الإيراني في سورية".

وتابع أنه "طالما كان للأميركيين حضور في المنطقة ودعموا الأكراد، واجه داعش صعوبة في أن يرفع رأسه ثانية، لكن الآن تسنح له فرصة أخرى للعودة. وينبغي أن نتذكر أن تركيا لم تحارب داعش أبدا. وحتى أنها لا ترى بداعش عدوا خطيرا، وإنما أداة تستدمها في صراعاتها ضد الأكراد، وأيضا ضد بشار الأسد وإيران. وحاكم سورية لم يحارب داعش، ووجه جلّ جهوده ضد المتمردين المعتدلين، الذين رأى بهم تهديدا على نظامه. والأكراد هم الوحيدون الذين حاربوا داعش في الأراضي السورية بكامل القوة".

واعتبر زيسر أن "الولايات المتحدة قد تكتشف، مثلما اكتشفت إسرائيل في حينه في حالتي (الانسحاب الأحادي الجانب من) لبنان وغزة، إنه سهل جدا مغادرة سورية وسحب القوات الأميركية، لكن المشكلة السورية النازفة، وبطبيعة الحال داعش أيضا، لن تترك بسهولة واشنطن وستواصل ملاحقتها في الأراضي الأميركية أيضا".    

"حلف عسكري" أميركي - إسرائيلي

من جانبه، أشار الدبلوماسي وعضو الكنيست السابق، زلمان شوفال، في مقال في صحيفة "معاريف"، اليوم، إلى أن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، هو "الذي بدأ بتقويض السياسة الأميركية التقليدية في الشرق الأوسط". ولا يزال الإسرائيليون ينتقدون سياسة أوباما بخروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، ويعتبرون أن هذه السياسة دفعت أوباما إلى التوقيع، مع القوى الكبرى الأخرى، على الاتفاق النووي مع إيران، الذي عارضته إسرائيل بشدة. وحسب شوفال، فإن أوباما "تجاهل بالمطلق تقريبا مصالح حلفاء أميركا التقليديين في المنطقة" أي إسرائيل ودول الخليج وخاصة السعودية.

وكرر شوفال الموقف الإسرائيلي الذي ألقى باللوم على إدارة ترامب لأنها لم ترد على مهاجمة ناقلات نفط وسفن في منطقة الخليج، وعلى هجمات صاروخية استهدفت منشآت نفطية في السعودية، في الأشهر الماضي، وكتب أن ذلك "أثبت لأعدا أميركيا وأصدقائها أن ترامب يتحدث بصوت مرتفع، لكنه لا يمسك عصا كبيرة بيديه".

ولفت شوفال إلى مسألة "حلف دفاعي" أميركي - إسرائيلي، الذي يروج له رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بينما يعارضه جهاز الأمن الإسرائيلي، لأنه قد يقيد أيدي إسرائيل عسكريا "ويمس بمبدأ أن إسرائيل ستدافع عن نفسها بقواها الذاتية". وأضاف أن "السؤال الآن هو: هل في ظل واقع نخضع فيه لتهديد دولة (إيران) لا تخفي نيتها بالعمل من أجل القضاء علينا وتطور الوسائل لذلك، لا يوجد مكان لإعادة تقييم الوضع من جديد؟".

تغير الوضع الإستراتيجي بالمنطقة

اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، اليوم، إن "الضوء الأخضر الذي منحه ترامب لإردوغان أحدث سلسلة هزات، غيرت بالكامل الوضع في شمال سورية، وبات يؤثر على الصورة الإستراتيجية في الشرق الأوسط كله".  

وأضاف هرئيل أن الرابح من العملية العسكرية التركية الحالية في سورية "أكثر اللاعبين إشكالية. ليس إردوغان فقط، الذي تخلى عن المتمردين السنة في منتصف الحرب، وتساوق مع الروس وتصالح مع نظام الأسد؛ فداعش أيضا، الذي بإمكانه رفع رأسه الآن وعلى الأرجح أن نشعر بعواقب هروب عناصره من السجن (الكردي)، من خلال عملية في المنطقة أو في الغرب. ويربح من ذلك أيضا المحور الداعم لبشار الأسد، بقيادة إيران. أولا، النظام يوسع الآن مناطق تأثيره في شرق الدولة؛ ثانيا، سيكون الإيرانيون راضون جدا من التقارير حول قرار آخر لترامب، بعدم الاكتفاء بالانسحاب من المنطقة الكردية، وإنما سحب معظم الجنود الأميركيين المنتشرين في مناطق أخرى في شرق سورية".  

ووفقا لهرئيل، فإنه "لا توجد رغبة أو قدرة حقيقية لدى إسرائيل بالتدخل لصالح الأكراد في سورية، رغم مظاهرة التماثل معهم في القدس، أول من أمس. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، التبعات الفعلية لتخلي الولايات المتحدة عن الأكراد ضئيلة. والسؤال الأهم بالنسبة لإسرائيل هو بقاء القوات الأميركية في قاعدة تنف في جنوب سورية، التي يوجد لها تأثير معين على ’الممر البري’ الموصل بين إيران والعراق وسورية ولبنان. وحاليا تتحدث التقارير عن أن الأميركيين باقون. وإخلاء أميركي يشمل تنف سيثير قلق إسرائيلي كبير".   

وأشار هرئيل إلى أن "لأداء ترامب علاقة على أرض الواقع ومقلقة بشكل خاص في سياق أوسع، وهو الصراع الإقليمي ضد إيران. والأزمة في الخليج بعيدة عن الانتهاء، لأن طهران لم تحصل بعد على مطلبها، وهو رفع العقوبات الاقتصادية عليها، مقابل استئناف المفاوضات مع واشنطن حول الاتفاق النووي. والتصدعات في الحلف السني الذي وقف إلى جانب الولايات المتحدة آخذة بالاتساع، فيما السعودية والإمارات تبحث إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع إيران. وبالإمكان المراهنة على أن نتنياهو أدرك كل هذا منذ فترة".

وشدد هرئيل على أنه سيكون لهذا الوضع تأثير مباشر على إسرائيل. الأول هو أن حملة نتنياهو الانتخابية المقبلة لن تركز على علاقاته "الجيدة" مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أعقاب التغييرات في الحلبة السورية وتبعاتها. والأمر الثاني أن بوتين لم يستجب لطلبات نتنياهو بإصدار عفو عن شابة إسرائيلية تم ضبط 9 غرامات من الحشيش بحوزتها لدى هبوطها في مطار روسي، وحُكم عليها بالسجن 7.5 سنوات. والأمر الثالث هو زيارة بوتين للسعودية والإمارات، في التوقيت الحالي الذي تطلب فيها الدولتان الخليجيتان المصالحة مع إيران.

وخلص هرئيل إلى أن "هذه موسكو نفسها التي وصلت إلى موقع تأثير هائل في الشرق الأوسط، بفضل انسحاب أوباما وتخلي ترامب. وفي الحالة الروسية على الأقل، لم تعد هناك حاجة للأوهام، إذ لا توجد أي عواطف خاصة تجاه القيود أو مصادر القلق الإسرائيلية".