"الوضع الأمني هش": لازمة الجيش الإسرائيلي لزيادة ميزانيته

"الوضع الأمني هش": لازمة الجيش الإسرائيلي لزيادة ميزانيته
كوخافي ونتنياهو (أرشيف - أ.ف.ب.)

لم يأت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، بجديد في أقواله التي نُشرت مساء أمس، الخميس. فقد أعلن قادة الجيش والقيادة السياسية في إسرائيل، مرارا وتكرارا في السنوات الأخيرة، أن إسرائيل تنفذ عمليات عسكرية، وبضمنها غارات وطلعات استطلاعية بهدف جمع معلومات استخبارية، ضد مواقع لإيران وحزب الله في سورية ولبنان، ومؤخرا في العراق أيضا. والعمليات في قطاع غزة معروفة. ولذلك فإن تصريح غانتس بأن "إسرائيل تتعامل اليوم مع عدد كبير من الجبهات والأعداء في وقت واحد" لا تضيف شيئا.

وقال كوخافي أيضا، إن "الوضع في الجبهتين الشمالية والجنوبية متوتر وهش وقد يتدهور إلى مواجهة، على الرغم من أن أعداءنا ليسوا معينيين بالحرب. وعلى ضوء ذلك، ينفذ الجيش الإسرائيلي، في الأشهر الأخيرة، إجراءات جهوزية متسارعة". وهذه تصريحات مكررة أيضا، لكن اللافت أنها تأتي في وقت تبدو فيه "الجبهتان الشمالية والجنوبية" لإسرائيل، مقابل القطاع وسورية ولبنان، هادئة، وأن رد حزب الله على هجوم إسرائيل في الضاحية الجنوبية ومقتل اثنين من مقاتليه في سورية قد نُفّذ، بعملية أفيفيم، مطلع الشهر الماضي. كما أن التقديرات في إسرائيل هي أن حزب الله سينشغل حاليا في التعامل مع هبة الاحتجاجات الواسعة في لبنان.

ولا شك أن إسرائيل تتحسب من عواقب سياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالانسحاب من الشرق الأوسط عموما ومن سورية، والعراق أيضا في وقت لاحق، خصوصا. لكن هذا لم يكن الدافع من وراء تصريحات كوخافي، الذي يسعى إلى دفع الخطة المتعددة السنوات الجديدة. وحسب القواعد السائدة في الجيش الإسرائيلي، فإن على رئيس أركان الجيش، وخلال السنة الأولى من ولايته، أن يقدم خطة متعددة السنوات كهذه، وبين أهدافها ملاءمة رؤية الجيش للأوضاع الأمنية المستجدة والمتوقعة.

إلا أن بداية ولاية كوخافي، مطلع العام الحالي، جاءت خلال معركة انتخابات الكنيست، في نيسان/أبريل الماضي، والتي أدت نتائجها إلى أزمة سياسية منعت تشكيل حكومة، ثم جاءت جولة انتخابات ثانية للكنيست، في أيلول/سبتمبر الفائت، التي عمقت نتائجها الأزمة السياسية المستمرة والفشل بتشكيل حكومة، حتى اليوم، وسط توقعات بأن تتجه إسرائيل إلى جولة انتخابية ثالثة، في آذار/مارس المقبل على الأرجح. أي أن الأزمة السياسية واستمرار وجود حكومة انتقالية ستُرحّل إلى العام المقبل. وخلال هذه الفترة كلها لن يكون بإمكان حكومة انتقالية إقرار ميزانيات، ولن يكون بإمكانها إقرار الخطة المتعددة السنوات أيضا.

ولفت المراسل السياسي لصحيفة "معاريف"، طال ليف رام، اليوم الجمعة، إلى أن الخطة المتعددة السنوات باتت جاهزة، "وفي مركزها تغيير بنيوي كبير، يريد الجيش تنفيذه، بما يتلاءم مع التغييرات في ميدان القتال وتعاظم قوة العدو".

وأضاف ليف رام أن "التغييرات التي يطلبها الجيش، تتطلب أيضا إضافة كبيرة على الميزانية بمليارات الشواقل. ومن المقرر أن تخرج الخطة المتعددة السنوات إلى حيز التنفيذ، في بداية العام المقبل. ولكن على ضوء الأزمة السياسية، فإن ثمة علامة استفهام على تطبيقها الفعلي وفق الجدول الزمني الذي تم تحديده. وموقف الجيش الإسرائيلي هو أنه من أجل تطبيق الخطة المتعددة السنوات، لا حاجة إلى انتظار الموعد المحدد، الذي يتوقع أن يؤجل بسبب الأزمة السياسية".     

إلا أن قرارا بإضافة ميزانيات الجيش ليس بأيدي الجيش. وأفاد المحلل العسكري في القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية، روني دانيال، والمراسل العسكري للقناة، نير دفوري، بأن المسؤولين في وزارة المالية الإسرائيلية تطالب الجيش بأن "يقلص بنفسه وبفائضه من أجل تمويل احتياجاته. ويدعون في الجيش أنه ينقصهم 4 مليارات شيكل في السنة الواحدة وعلى مدار عشر سنوات مقبلة، ولكن المالية تريد أن ترى أولا نجاعة في الجيش".

وحسب هذا التقرير، فإن وزارة المالية اقترحت على الجيش أن يلغي منحة رئيس أركان الجيش للضباط الخارجين إلى التقاعد، إلغاء إعفاء الضباط من دفع الضريبة مقابل استخدام سيارات مستأجرة، واختزال التقاعد للضباط الذي يخرجون للعمل في القطاع العام. وتوفر هذه التقليصات 1.5 مليار شيكل، وفي وقت لاحق قد تخرج إلى حيز التنفيذ خطة تقليص مدة الخدمة النظامية التي تخفض إنفاق الجيش.   

خطة "تنوفاه"

وفقا لتقرير القناة 12، فإن الخطة المتعددة السنوات الجديدة ("تنوفاه")، التي وضعها كوخافي وقيادة الجيش، ستركز على تحسين القدرات الهجومية والدفاعية، على خلفية "التغييرات الكبيرة في طبيعة التهديدات في المنطقة"، في الفترة الأخيرة، وبحيث يكون الجيش الإسرائيلي قادرا على مواجهة "عدو منتشر في مناطق مأهولة ومسلحا بقذائف صاروخية كثيرة". وحسب الجيش الإسرائيلي، فإن هذا المفهوم العسكري يحتاج إلى "تغيير عمير يستمر على مدار عدة سنوات".

(الجيش الإسرائيلي)

وقسّم الجيش مفهوم القتال الجديد إلى ثلاثة أجزاء: الأول هو مناورة متعددة الأبعاد، ويشمل قدرات استخبارية، جوية، تحت الأرض، سايبر، وحرب إلكترونية؛ الجزء الثاني يشمل توجيه ضربات متواصلة ودقيقة وواسعة، وليس ضربة أولى شديدة؛ الجزء الثالث يتعلق بالدفاع المتعدد الجوانب، ويشمل عقبات ودفاع جوي وسايبر.

وكرر كوخافي في تصريحاته الأخيرة أن "التحدي الإستراتيجي المركزي لدولة إسرائيل موجود في الجبهة الشمالية. ويتعلق بتموضع قوات إيرانية وأخرى في سورية، ومشروع دقة الصواريخ. وفي كلتا الحالتين، تقود إيران هذه الخطوات، من خلال استخدام أراضي دول ذات قدرة محدودة على الحكم. ومنذ سنوات كثيرة، أسر حزب الله دولة لبنان وأقام فيها جيشا له، وهو الذي يحدد فعليا ’سياستها الأمنية’".

"إيران سترد على أي هجوم"

رغم أن تصريحات كوخافي ليس دراماتيكية وإنما مكررة، إلا أن المحللين حاولوا جعلها دراماتيكية. وقال المحلل العسكري في القناة 13، ألون بن دافيد، إن "الأشهر الأخيرة أسست وضعا أمنيا جديدا في الجبهة الشمالية لدولة إسرائيل، التي باتت تمتد الآن من بيروت حتى طهران، وبذلك انتهت 13 سنة (منذ حرب لبنان الثانية) من الهدوء في المنطقة".

واعتبر بن دافيد أنه "انتهت الفترة التي كانت فيها إسرائيل قادرة على العمل في سورية من دون رد إيراني. ففي طهران ليسوا مستعدين لامتصاص (ضربات) أكثر بعد الآن، ويعتزمون الرد على هجمات إسرائيلية. وربما يحطط (قائد "فيلق القدس" قاسم) سليماني ردّه القادم".

وأضاف أنه "في موازاة ذلك، بقيت عين واحدة تراقب غزة وخاصة الجهاد الإسلامين الذي يحاول اتباع سياسة خاصة به، وربما أنه يحاول التخطيط لعملية أو استئناف إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وفي كلتا الجبهتين تبدو السنة العبرية الجديدة (التي بدأت مطلع الشهر الحالي) أسوأ من السنة الفائتة من الناحية الأمنية".

من جانبه، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوءاف ليمور، أن "انعطافا إستراتيجيا" طرأ مؤخرا، "بعد عدة سنوات كانت جيدة لإسرائيل... وقيدت خلالها إيران بشكل كبير ولكن لم تلجم تطلعتها. وسادت آمال بأن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي والعقوبات على إيران سيقود إلى انهيارها الاقتصادي أو على الأقل ستؤدي إلى تنازلها عن تطلعاتها. لكن هذه الآمال خابت كلها".   

وأضاف ليمور "بل أنه تحت الضغوط التي مورست عليها، أظهرت إيران جرأة متزايدة. وأثبت إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة المتطورة ومهاجمة حقول نفط في السعودية، وتقدم بطيء ومتواصل لبرنامجها النووي، أن طهران ليس فقط لا تتراجع، وإنما ترفع دون تردد حجم رهانها. وتلقت هذه الجرأة، أو الوقاحة، الإيرانية دعما هاما نتيجة للسياسة الأميركية. فامتناع الولايات المتحدة عن الرد على العدوانية الإيرانية في الخليج، وانسحابها الأخير من شمال سورية، الذي قاد إلى التخلي عن حلفها مع الأكراد، أثبت لطهران أنه ليس فقط أنه لا يوجد ثمن للعنف، وإنما هو مجزٍ أيضا ويجدر التمسك به".

وأردف أن "هذا هو سبب القلق في إسرائيل. فإيران تجرؤ أكثر في الخليج، وعلى الأرجح أنه هكذا ستتصرف تجاه إسرائيل أيضا... والتقديرات هي أنه منذ الآن سترد إيران على أي هجوم ضدها".     

وحسب ليمور، فإن الرد الإيراني يمكن أن يكون مباشرا أو غير مباشر، ومن سورية أو العراق، "ويوجد لدى إسرائيل معلومات استخبارية جيدة حول خطط إيران لكنها ليس كاملة. كما أن الدفاع أمام التهديدات جيدة ولكنها ليس مغلقة بإحكام".

ولفت ليمور إلى أنه "يحظر أن نرى بهذه الأمور على أنها تحذير من حرب داهمة"، وأن "على إسرائيل أن تبلور لنفسها الآن تحالفا، وخاصة شرعية دولية تسمح لها بأن ’تجن’، وأن تحصل على تفهم الجمهور الإسرائيلي، بأنه بعد سنوات هادئة، قد يجد نفسه أمام بداية واقع أمني جديد".