"سياسة الأرجل الخمسة": إستراتيجية الموساد لمنع النووي عن إيران

"سياسة الأرجل الخمسة": إستراتيجية الموساد لمنع النووي عن إيران
منشأة نطنز بعد التفجير نطلع الشهر الحالي (أ.ب.)

يصف مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون التفجير في منشأة نطنز النووية الإيرانية، قبل أسبوعين، بأنه "إنجاز هام"، فيما استعرض محلل الشؤون الاستخبارية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رونين بِرغمان، اليوم الجمعة، التحولات التي جرت في الموساد خصوصا، في أعقاب قرار إسرائيل الدخول في مواجهة مع إيران لمنع تطوير البرنامج النووي.

ويشار إلى أن إسرائيل تلتزم الصمت رسميا حيال التفجير في نطنز وتفجيرات أخرى وحرائق نشبت في مواقع أخرى، وتوصف بأنها غامضة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما يوحي بأن إسرائيل تحولت من استهداف أهداف إيران وأذرعها في سورية والعراق إلى استهداف أهداف داخل إيران. ويذكر أنه بين السنوات 2010 و2012، خطط رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن في حينه، إيهود باراك، لشن هجمات بطائرات حربية ضد منشأت نووية في إيران، لكن قادة الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتهم رئيس أركان الجيش حينذاك، ووزير الخارجية الحالي، غابي أشكنازي، أحبطوا هذه الخطة.

ووفقا لبرغمان، فإن القرار في إسرائيل بمواجهة إيران ومحاربة برنامجها النووي بدأ يتبلور في نهاية تسعينيات القرن الماضي، فيما "كانت إسرائيل غير مستعدة" لذلك. "أجهزة الاستخبارات، وعلى رأسها الموساد، المسؤول عن الأنشطة خارج البلاد، لم يلائموا أنفسهم للأزمنة التي تغيرت... ولم يعد للموساد علاقة بهذا الواقع. فقد كانت إيران خصما ذكيا أكثر من أي دولة عربية حاول الموساد التوغل إليها قبل ذلك".

وعلى هذه الخلفية، عين رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون، الجنرال مئير داغان رئيسا للموساد، في العام 2002، والذي "حوّل الموساد من جهاز يجمع معلومات استخبارية بهدف معرفة ما يحدث لدى الخصم وتقييم نواياه، إلى جهاز يجمع معلومات استخبارية من أجل تنفيذ عمليات إحباط بالأساس. وهذه العمليات تشمل تفجيرات وتدمير لدى الخصم. وقد حصر قائمة مهمات الموساد باثنتين فقط. الأولى: منع دول تحاول الحصول على سلاح نووي، والمشروع النووي الإيراني خاصة. والثانية: استهداف مساعدات سورية وإيران لحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي واستهداف هذه المنظمات".

وأضاف برغمان أن "داغان نفذ إصلاحات في عدد من شعب الموساد، وعلى رأسها شعبة ’تسوميت’ المسؤولة عن تفعيل العملاء"، ونقل عنه قوله إن "يوسي (كوهين، رئيس الموساد الحالي) كان الوحيد الذي قال الصدق، ولم يكذب ويبالغ... اغتيالات عشوائية لا تساوي شيئا. اغتيال ناشطين عسكريين كبار كسياسة ثابتة ومتواصلة هي أمر جيد جدا".

منشأة نطنز مطلع الشهر الحالي (أ.ب.)

وتابع برغمان أن الموساد تخوف من تنفيذ اغتيالات في "دول الهدف"، مثل إيران، لأن فريق الاغتيال سيتعرض للإعدام في حال القبض عليه، بينما كانت عمليات كهذه تنفذ في "دول القاعدة" التي توجد لإسرائيل سفارات فيها. "وحتى تولي داغان رئاسة الموساد، كانت جميع الاغتيالات تقريبا المنسوبة له، نفذها الموساد في دول القاعدة"، ونقل عن داغان قوله إنه "عندما جئت إلى الموساد لم تكن هناك قدرات عمل حقيقية في (دول) الهدف".

وحسب برغمان، فإن إسرائيل اكتشفت منشأة نطنز في نهاية العام 2002، في أعقاب إبلاغ جماعة "مجاهدو خلق" وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه.) بالأمر. وقال باراك إنه على الرغم من هذه المعلومة الجديدة، "اتخذ شارون قرارا شرعيا بعدم قصف المنشآت النووية. وقرر شارون أن هذا أمر معقد وينبغي توجيه جلّ الانتباه إلى اتجاه آخر". وكتب برغمان أن "الاتجاه الآخر" هو العمليات السرية التي اقترحها داغان. وألقى شارون على الموساد، في العام 2004، "مسؤولية الإحباط العليا" ضد البرنامج النووي الإيراني. "وتبنى داغان الإستراتيجية التي بناها نائبه، الذي خلفه في العام 2011، تمير باردو".

وأردف برغمان أنه "في أساس هذه الإستراتيجية كان الإدراك أن القرار الإيراني بتطوير سلاح نووي أو لا هو قرار سياسي، ولأن الحديث يدور عن دولة غنية ومتقدمة، فإن تغيير النظام أو احتلال الدولة بإمكانه فرض قرار كهذا. ولأن الولايات المتحدة لم تكن معنية بذلك، فإن الإمكانية الوحيدة المتبقية هي إقناع القيادة السياسية بعدم جدوى الاستمرار بالمشروع النووي، وحتى يحدث ذلك، ينبغي تنفيذ ما يمكن فعله".

وأطلق على هذه الإستراتيجية اسم "سياسة الأرجل الخمسة": "إحباط سياسي، أي ممارسة ضغوط دولية على إيران؛ إحباط سياسي داخلي، أي تشجيع مجموعات معارضة للوقوف ضد النظام؛ إحباط اقتصادي، أي نظام عقوبات دولية واسعة وصارمة تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني؛ إحباط ذكي؛ وإحباط عنيف". كذلك قرر داغان التعاون مع أجهزة استخبارات خارجية وخاصة أميركية، خلافا لسياسة جميع أسلافه في المنصب، وإرسال عملاء الموساد لتنفيذ اغتيالات. "وفي العام 2008 صعد الأميركيون إلى هذا القطار بشكل كامل، بعدما أوضحت عدة أحداث لهم مدى خطأ تقييماتهم الاستخبارية".

واستخدم الموساد أجانب ليسوا يهودا لتنفيذ عمليات، وبينها اغتيالات، في إيران، وبينهم أعضاء في المعارضة الإيرانية. وكتب برغمان أنه إذا كانت هذه التقارير صحيحة، "فإن الحديث يدور عن خطوة ذات تأثير كبير، ويشكل تحديا كبيرا للغاية لوحدات الموساد القديمة، وعلى رأسها ’قيسارية’، شعبة العمليات الخاصة".

"إننجازات مهمة"

وصف الرئيس السابق للدائرة السياسية – الأمنية في وزارة الأمن الإسرائيلية، عاموس غلعاد، التفجير في نطنز بأنه "إنجاز هام". وأضاف خلال مقابلة لإذاعة 103FM، مساء أمس، أن"التهديد الإيراني متعدد الجوانب. فلديهم أيديولوجيا متطرفة تنفي وجود إسرائيل، وثمة أمرين يحركانهم: الوصول إلى النووي والوصول إلى تطويق حقيقي لإسرائيل، يشمل لبنان وسورية والعراق، مع صواريخ ومقذوفات موجهة نحو سكان مدنيين".

وقال غلعاد "لقد رصدنا هذه التهديد منذ فترة طويلة، ونحن نعمل ضده. وأنا أؤيد أي عملية تعرقل الإيرانيين في الموضوع الإيراني. وأعتقد أنه الاعتبارات هنا (في إسرائيل) ليست سياسية وإنما يضعها المستوى المهني. وإذا كان هذا (أي العمليات في إيران) صحيحا، لأنه لا يوجد تأكيد رسمي، فإن المستوى المهني الاستخباري يشير إلى معلومات استخبارية دقيقة، وسلاح الجو أو أي ذراع آخر ينفذ".

طهران، الأسبوع الماضي (أ.ب.)

وتابع غلعاد أنه "توجد هنا إنجازات هامة. وفي المستوى الإستراتيجي، ورغم أن إيران تواجه مصاعب اقتصادية، إلا أنهم عازمون على تحقيق هدفهم. وأنا قلق جدا من الموضوع السياسي، وهنا ليس لدينا نجاحات هامة لأنه لن افاجأ إذا قاد ترامب الأمور نحو اتفاق. وأعتقد أن الإيرانيين لا يريدون اتفاقا، لأنهم ينتظرون إلى ما بعد الانتخابات (الرئاسية الأميركية). وإذا فاز ترامب فإنه سيكون ناضجا أكثر بكثير، وإذا فاز بايدن، فنحن نعرف الإدارة الديمقراطية" التي وقعت على الاتفاق النووي في ولاية الرئيس باراك أوباما.

وحول الأوضاع القاسية في إيران بسبب العقوبات وفيروس كورونا، أجاب غلعاد أن "عليك أن تدخل إلى عقل العدو وليس أن تفرض منطقك. الوضع سيء للسكان، ولكن كانت هناك أوضاع أكثر سوءا. وما أريد قوله إن الوضع الاقتصادي الصعب لا يجعلهم ينحرفون عن هدفهم، لأن دولة مثل إيران بإمكانها شراء الوسائل من أجل تعظيم قوتها مقابلنا، وهذه هي المشكلة".

وأضاف غلعاد "أنا قلق جدا في المستوى السياسي، لأن الولايات المتحدة منشغلة بأمور أخرى. ولا أرى وجود تفكير إستراتيجي لدى الرئيس ترامب، لأنه قلق من المشاكل الحالية، بينما نحن قلقون بالأساس من إيران، وليس من الضم أو من التخوف من إساءة العلاقات مع العرب".