لقاء البرهان ونتنياهو: سياق تاريخي أبعد من "رفع العقوبات"

لقاء البرهان ونتنياهو: سياق تاريخي أبعد من "رفع العقوبات"
(أرشيفية - أ ب)

أثار اللقاء الذي جمع بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أوغندا، يوم الأحد الماضي، استياء الكثيرين، في حين أشار محلل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، يوسي ميلمان، إلى أن العلاقات السريّة تعود إلى ما قبل استقلال السودان.

ويتبيّن من السّرد التاريخي الذي قدّمه ميلمان، أن العلاقات كانت في بداياتها نفعيّة بين إسرائيل وبين حزب الأمة برئاسة الصديق المهدي، قبل أن تتحول لاحقًا إلى علاقة بين مؤسسات رسميّة في زمن الرئيس جعفر النميري، واستمرت بوتيرة متفاوتة في عهد الرئيس المخلوع، عمر حسن البشير.

أصل العلاقات

كتب ميلمان أن بداية العلاقات تعود إلى الخمسينيات، بمبادرة "حزب الأمة" أكبر الأحزاب في السودان، والذي تزعمه الصديق المهدي، الساعي إلى علاقات مع إسرائيل لكي تساعده في مواجهة ضغط الأحزاب الاتحادية التي تنادي بالوحدة مع مصر بزعامة جمال عبد الناصر.

الصديق المهدي

ووفقًا للمقال الذي نشر في موقع صحيفة "هآرتس" باللغة الإنجليزية، الخميس الماضي، فإن حزب الأمة دعا إلى الاستقلال التام للسودان عن مصر وبريطانيا بمساعدة إسرائيلية، وكان ذلك تمهيدا للقاء سري في لندن في عام 1956، بين الصديق المهدي، والد رئيس الحزب الحالي الصادق المهدي، وعدد من المسؤولين بالسفارة الإسرائيلية في العاصمة البريطانية.

وكشف الكاتب عن وثيقة داخلية إسرائيلية، وهي رسالة من السفارة الإسرائيلية في لندن إلى الخارجية الإسرائيلية، شرحت تفاصيل عملية التواصل بينها وبين حزب الأمة، وعن خطة إسرائيلية لدعوة ممثلين للحزب لزيارة إسرائيل وتقديم الدعم المالي له.

وفي هذا السياق، ذكر الكاتب أن "شهر العسل في العلاقات بين البلدين انقطع مع انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 1958، ليصبح السودان وبسبب نفوذ الناصرية آنذاك من أعداء إسرائيل إلى الحد الذي أعلن الحرب ضدها، وشارك بقوات في حرب الأيام الستة في حزيران/ يونيو 1967، وخلال العقد الذي تلا تلك الحرب لم تكن هناك أي علاقات ولا اتصالات، سواء كانت سرية أو علنية".

الوثيقة من سفارة إسرائيل في لندن عن مساعيها لدعم حزب الأمة السوداني عام 1956

وفي هذه المرحلة، يذكر الكاتب أن إسرائيل عملت بالمثل الذي يقول "عدو عدوي صديقي"، ودعمت التمرد الذي كان يقوده الجنرال جوزيف لاقو في جنوبي السودان، عسكريا وماليا، خلال الستينيات وحتى العام 1972.

عادت العلاقات لتأخذ منحى آخر، وتتوج بالتعاون مع الرئيس جعفر النميري ورئيس جهاز أمنه، عمر محمد الطيب، خلال الأعوام 1977 - 1980، لتسهيل هجرة اليهود الأثيوبيين (الفلاشا) إلى إسرائيل، إذ دفعت إحدى المنظمات اليهودية في أميركا 30 مليون دولار إلى النميري لتسهيل عملية الهجرة إلى إسرائيل.

السودان مخزن أسلحة

جعفر النميري

وبحسب المقال، التقى لاحقا النميري سرًا في عام 1981، بوزير الأمن الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون، في كينيا، بمساعدة من رجل الأعمال الإسرائيلي يعكوف نمرودي (تاجر سلاح ورجل استخبارات، من أصول عراقية)، ورجل الأعمال السعودي عدنان خاشقجي، والمسؤول في الموساد، دافيد قمحي.

وبحسب الكاتب، اتفق شارون والنميري على تحويل السودان إلى مخزن للأسلحة التي ستستخدم للإطاحة بنظام الخميني في إيران وتنصيب ابن الشاه حاكمًا جديدًا لها، ولدعم المتمردين في تشاد لتنصيب حكومة صديقة لإسرائيل، والتي كانت تسعى إلى السيطرة على اليورانيوم هناك.

عدنان خاشقجي

وخلال فترة حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير، تحديدا بين الأعوام 1990 و1996، استضاف السودان تنظيم القاعدة، وأسس علاقات قوية مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وحول أراضيه إلى ممر للأسلحة التي كان ينقلها فيلق القدس الإيراني إلى الفصائل في قطاع في غزة، بحسب الكاتب الإسرائيلي.

ومنذ عام 2009 وحتى الإطاحة بنظام البشير، شن سلاح الجو الإسرائيلي العديد من الاعتداءات في الأراضي السودانية، ضد ما زعم أنها شحنات أسلحة إيرانية في طريقها إلى غزة.

"هروب" البشير تجاه السعودية وإسرائيل

بعد إعلان محكمة الجنائيات الدولية البشير وبعض أركان نظامه مطلوبين لديها بسبب تهم بارتكاب جرائم، تراجعت علاقة البشير بإيران، وبدأ يتقرب للسعودية ويغازل إسرائيل بهدف التأثير على الإدارة الأميركية عبر اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لتخليصه من الملاحقة القضائية الدولية، في مقابل إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.

وأرسل البشير قبل سقوط حكمه بفترة وجيزة رئيس جهاز أمنه، اللواء صلاح قوش، للقاء برئيس الموساد الحالي، يوسي كوهين، لكن الثورة على حكم البشير قطعت ذلك التواصل، بحسب الكاتب.

نتنياهو يسعى لتحسين فرص انتخابه

وذكر المقال أنه "مع رحيل البشير يمكن أن تكون الظروف مهيأة لإحياء العلاقات بين البلدين، وبدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومختلف دول الخليج، جدد نتنياهو وبهدوء لكن بمثابرة، لتحويل السودان إلى دولة عربية سنية إقليمية صديقة لإسرائيل"، وقدمت في البداية طلبا "فوريا صغيرا وعاديا"، وهو السماح للطائرات الإسرائيلية بالعبور في الأجواء السودانية.

إلا أن الكاتب يرجح أن إحياء العلاقات المذكورة لن يكون سهلا في ظل معارضة تقف في وجه البرهان وتتهمه بالتعاون مع العدو، فيما ينصب الاهتمام السياسي الفوري لنتنياهو على السيطرة على العناوين الرئيسية في الصحف لزيادة فرص انتخابه مجددا في الانتخابات القريبة مطلع الشهر المقبل.

ويورد الكاتب تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي السابق، موشي يعالون، التي شدد فيها على أن اللقاء بين نتنياهو والبرهان مؤخرا، كان يجب التكتم عليه حفاظا على مصالح إسرائيل، بدل اللهاث لتحقيق مكاسب سياسية شخصية ضيقة وقصيرة الأمد، في إشارة إلى استغلال نتنياهو اللقاء في حملته الانتخابية الحالية.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"