الكويز الأردني-الإسرائيلي: ثمار السلام الفجّة../ نبيل أرملي*

الكويز الأردني-الإسرائيلي: ثمار السلام الفجّة../ نبيل أرملي*

لطالما لعب الاقتصاد والاتفاقيات التجارية دورًا محوريًا عند واضعي السياسة الخارجية الأمريكية نحو العالم بشكل عام، ونحو منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. إذ يؤمن أولئك بأنّ "الرافعة الاقتصادية" لعملية "السلام" هي الضمان الأقوى لاستمراريته وبأنّ للقطاع الخاص دورًا محوريًا في صيانة هذه العلاقات والدفاع عنها، عند الضرورة.

وتطبيقا لهذا التوجه، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، غداة التوقيع على معاهدة السلام بين المملكة الأردنية وإسرائيل، بالعمل على تشجيع بناء العلاقات بين رجال الأعمال الأردنيين والإسرائيليين من خلال جمعهم في المؤتمرات والمحافل الدولية المختلفة.

أولى الخطوات العملية بدأت في إطار "قمة عمان الاقتصادية"، العالمية، التي عقدت في تشرين الأول 1995، حيث اتفق رجال أعمال أردنيون وإسرائيليون وفلسطينيون على إنشاء "مجلس أعمال إقليمي" يحظى بدعم وإدارة الإدارة الأمريكية.

عامل الجذب الأول والأهم للاستثمار في مشاريع إسرائيلية-أردنية مشتركة بالنسبة لرجال الأعمال الإسرائيليين كان عامل القوى البشرية الأردنية؛ فمستوى الأجور في الأردن يقل بمعدل ثماني مرات عنه في إسرائيل (الحد الأدنى للأجور في الأردن حوالي 140 دولارًا، وفي إسرائيل حوالي 1000 دولار)، ما يعني خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز قدرة المنافسة للبضاعة الإسرائيلية في الأسواق العالمية.

الحاجة أم الاتفاق
كان نقل العمالة الأردنية إلى إسرائيل لتعمل في المصانع الإسرائيلية أمرًا غير وارد في الحسبان؛ فالتكاليف الاقتصادية العالية المَنوطة بذلك ومخاوف المصابين بداء الهوس الديموغرافي في إسرائيل كانت كفيلة بتعطيل هذه الإمكانية.

وعليه، كان الحلّ الوحيد نقل المصانع الإسرائيلية إلى الأردن. لكن سرعان ما أدرك رجال الأعمال الإسرائيليون والأردنيون إشكالية هذا الحل، أيضًا. فاتفاقية التجارة الحرّة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والتي تمنح البضائع الإسرائيلية إعفاءًا جمركيًّا، تشترط أن يكون منشأ السلعة المعفاة إسرائيليًا بحتًا.

وللتغلب على هذه الإشكالية توجه منتدى الأعمال الإقليمي إلى الإدارة الأمريكية مطالبًا بتعديل بند مَنشأ السلعة، في اتفاقية التجارة الحرة، ليتلاءم وواقع العلاقات الاقتصادية الجديدة بين إسرائيل والأردن. نتيجة لذلك كانت ولادة اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة بين إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والمسماة اختصارا باتفاقية الـ "كويز" (Qualified Industrial Zones- QIZ).

وجرى الاتفاق بين الأطراف على أنّ البضائع المُصنّعة في المناطق الصناعية المؤهّلة والمُعدّة للأسواق الأمريكية، تحصل على إعفاء جمركي كامل. وفي هذا السياق، تم تحديد طريقتين رئيستين تجري بموجبهما ترجمة التعاون الاقتصادي بين الشركات الإسرائيلية والشركات الأردنية على أرض الواقع: حسب الطريقة الأولى، يجب أن يتم إنتاج ثلث قيمة السلعة على الأقل محليًّا في كل جانب، أو ألا تقل مساهمة كل طرف عن 20% من مُجمل تكاليف الإنتاج. لاحقا، اشتكت الشركات الأردنية من هذا التقسيم مُدّعية أنّ الحصة الإسرائيلية في عملية الإنتاج، وبسبب فارق الأسعار بين الاقتصاد الإسرائيلي والاقتصاد الأردني، ترفع كثيرا من تكلفة الإنتاج وبالتالي من سعر السلعة في السوق. على أثر هذا الادعاء، جرى تقليص نسبة المشاركة الإسرائيلية في عملية الإنتاج إلى 8% كحدٍّ أدنى.

رسميًا، تم التوقيع على تعديل اتفاقية التجارة في شهر آذار سنة 1998 في واشنطن وأعلن رسميا عن انطلاقها. وفي نفس السنة تم افتتاح أول منطقة صناعية مؤهلة (QIZ) في مدينة إربد، وارتفع عدد المناطق الصناعية من هذا النوع إلى 12 منطقة، أواخر عام 2006.

النسيج، النسيج، النسيج

هدفت هذه المناطق إلى جذب أكبر عدد مُمكن من قطاعات الإنتاج الصناعي، إلا أنّ ما حصل في هذا الخصوص كان مُخيّبًا للآمال؛ فقد أظهرت دراسة شاملة أنّ ما يزيد عن 90% من المصانع والمشاريع التي أقيمت في مناطق الـ "كويز" تخصّصت في قطاع النسيج ومشتقاته، وأنّ معظم المبادرين لإقامة هذه المصانع لم يكونوا أردنيين أو حتى إسرائيليين، بل من جنسيات آسيوية في الأساس، للاستفادة من مزايا المناطق الصناعية المؤهلة فيما يتعلق بتصدير البضائع إلى الأسواق الأمريكية.

وبالرغم من خيبة الأمل الأردنية بخصوص مسألة توجه معظم المبادرين إلى قطاع إنتاجي واحد فقد كان عزاؤهم في ذلك هو حاجة صناعة النسيج إلى أيدٍ عاملة وفيرة، وغير ماهرة، أي إمكانية مساهمة هذه المشاريع في مكافحة آفة البطالة المستفحلة في الأردن (30% من القوى العاملة وفق التقديرات المتشائمة). إلا أنّ ذلك لم يتحقق إلا بشكل جزئيٍّ ومحدود، ذلك أنّ تكلفة الأيدي العاملة الأردنية أعلى من الأيدي العاملة الصينية أو الهندية مثلا. وعليه، فقد آثر أصحاب المصانع والمشاريع في مناطق الـ "كويز" استيراد جزء كبير من العمال من دول جنوب شرق آسيا، لرُخص هذه العمالة وخبرتها المتراكمة في صناعة النسيج.

وعلى الرغم من ذلك، وفرت مناطق الـ "كويز" فرص العمل لعدد كبير من النساء الأردنيات، وهي شريحة لم تشارك في سوق العمل بأعداد كبيرة في السابق، حتى غدت الأيدي العاملة النسائية تشكّل 70% من القوى العاملة المحلية في مصانع الـ "كويز”.

"انتفاخ" في الصادرات

ويمكن القول إنّ التأثير الأكبر لمبادرة الـ "كويز" كان في مجال الصّادرات الأردنية، إذ بلغ حجم الصادرات من مناطق الـ "كويز" 2.4 مليون دولار عام 1998 و150 مليونًا العام 2000 و587 مليونًا في العام 2003 وفي العام 2005 بلغ حجم الصادرات حوالي 1.2 مليار دولار! الزيادة في حجم التصدير هائلة وفق جميع المقاييس. لكنّ تأثير هذه الزيادة الفعلي على الاقتصاد الأردني الكُلي كان مَحدودًا للغاية. فعلى سبيل المثال، بلغ حجم الصادرات الأردنية من مناطق الكويز حوالي 587 مليون دولار في العام 2003. وكانت حصة قطاع النسيج من هذه الصادرات 586.2 مليون دولار. أما الباقي، حوالي 400 ألف دولار، فقد توزع بين قطاعات الإنتاج الأخرى.

مقابل هذا الحجم الكبير من التصدير كان هناك نشاط استيرادي كبير أيضًا؛ فحوالي 100% من المواد الخام المستعملة في إنتاج السلع المُصدَّرة هي مواد مُستورَدة.

وبناءً على ذلك، تقتصر مساهمة الطرف الأردني في عملية الإنتاج على ما يسمى اقتصاديا بـ "القيمة المضافة"، أي عملية الإنتاج بحدّ ذاتها. في هذا الجانب أيضًا جاءت نتائج الـ "كويز" مُخيبة للآمال. فالمساهمة الأردنية في عملية التصنيع والإنتاج لم تتجاوز الحد الأدنى المطلوب وفق شروط اتفاقية الكويز، وتوقفت في معظم الأحيان عند نسبة 11.7%، والباقي (89.3%) لم تكن أردنية.

رابحون ورابحون أكثر!

في السنة القادمة، 2008، سيتم الاحتفال بمرور 10 سنوات على توقيع إتفاقية الـ "كويز”. قد تكون هذه المناسبة محطة ملائمة لإعادة النظر في إنجازات هذا الاتفاق. اقتصاديًا، وكما أظهرنا في هذه المقالة، كانت تأثيرات الاتفاق محدودة نسبيًا وذلك بالرغم من الأرقام والإحصائيات المثيرة للانطباع للوهلة الأولى. هل تستحق ثمرة السلام هذه التي وُعدت بها شعوب المنطقة مقابل التطبيع مع إسرائيل الثمن السياسي الذي توجّب دفعه؟ هل استفاد الشعب والاقتصاد الأردني فعلا من هذا الاتفاق أم أنّ الرابحين الحقيقيين هم أصحاب رؤوس الأموال المحليون والأجانب؟ مراجعة النتائج بعد مرور عقد تقريبا تُبيّن أنّ الطرفين كسبا، إلا أنّ الأولين كسبوا فتات ما ربحه الأخيرون.

-------------------------------------
** عن نشرة "مالكم- شهرية اقتصادية ومالية تصدر عن شركة "فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018