أزمة المسكن عند العرب في الداخل ستتفاقم في السنوات العشر القادمة..

أزمة المسكن عند العرب في الداخل ستتفاقم في السنوات العشر القادمة..

عامًا بعد عام، تزداد حاجة الأزواج الشابة العربية في الداخل إلى أماكن سكن تتلاءم واحتياجاتهم، وتتنامى الحاجة إلى بناء مساكن لتسد الفجوة بين العرض والطلب. إلا انه وفي حالة المجتمع العربي في البلاد لا يمكن اختزال أزمة السكن في خلل بين العرض والطلب، إذ تتداخل أزمة المسكن مع قضية الأراضي وتوزيع الأراضي. يُضاف إلى ذلك أن أغلبية المجتمع الفلسطيني تتمركز في ثلاث مناطق جغرافية رئيسة، هي: الجليل، المثلث والنقب، التي تُعد مناطق ذات حساسية "أمنية"، ومخزنا استراتيجيا للأراضي في إسرائيل.

منذ العام 1948 وبعد أن صادرت إسرائيل معظم الأراضي العربية، لم تقم إسرائيل ببناء أي بلدة عربية (باستثناء التجمعات السكنية التي أقيمت في النقب)، بينما قامت ببناء المئات من البلدات والمستوطنات اليهودية. ولم تتغير مناطق نفوذ البلدات العربية منذ الخمسينيات، في الوقت الذي اتسعت فيه المساحة المبنية فيها نحو 16 مرة، وقد ازدادت -إثر ذلك- كثافة السّكان داخل مناطق النفوذ. وبلغ مجمل مساحة مسطحات نفوذ 75 سلطة محلية عربية في نهاية التسعينيات 518,883 دونما، وتشكل هذه المساحة 54% من مجموع ما يملكه السكان العرب من الأراضي في البلاد، و2.5% من مساحة البلاد. وبلغت مساحة البناء لدى الأقلية العربية 160 كم مربعًا في العام 1990، وهي تعادل 11.8% من مساحة البناء في البلاد. ومن المتوقع ارتفاع هذه المساحة إلى 445.3 كم مربعًا في العام 2020، حيث سيشكل 19.6% من المساحة المبنية و2% من مجمل المساحة فيها. ومع تقليص مساحات الأراضي العربية، وعدم تخصيص أراض للبناء تتفاقم أزمة المسكن لدى المجتمع العربي.

يُعد امتلاك البيت من أهم الاستثمارات لدى العائلات العربية، ووفقا لمؤشر جمعية "سيكوي" للعام 2006 وللمسح الاجتماعي الاقتصادي الذي أعدّه مركز "ركاز" وجمعية "مدى الكرمل"، فإن قرابة 92% من العائلات العربية تملك مسكنًا خاصًّا. ولا يوجد اختلاف في امتلاك البيت بين شرائح المجتمع العربي، ويعود ذلك بالأساس نتيجة لبناء البيوت بشكل خاص وغالبا على أراض ملك العائلة، وامتداد فترة بناء المسكن على عدة سنوات.

المشكلة الأبرز في مجال المسكن لدى المجتمع العربي هي تنامي احتياجات الأسر العربية لوحدات سكنية في السنوات القادمة. ووفقا لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية هناك قرابة 8,000 حالة زواج سنويا لدى المجتمع العربي، أي أن المجتمع العربي بحاجة في اقل تقدير إلى 6,400 وحدة سكنية جديدة كل عام، في حال قدّرنا أن 80% من الأزواج الجديدة تسكن في منازل خاصة بها وليس مع العائلة. ومن المرجح أن يتنامى هذا العدد في السنوات القادمة كون 50% من السكان العرب هم تحت جيل 19 عامًا.

ويتعزز هذا الادعاء من المعطيات الواردة في المسح الاجتماعي الاقتصادي للعام 2004، إذ تبين أن 60.6 % من الأسر العربية ستحتاج لوحدة سكنية واحدة على الأقل خلال السنوات العشر القادمة، 43.7% منها لن تتمكن من بناء أية وحدة سكنية، أي أننا بحاجة إلى 165 ألف وحدة سكنية خلال عشر سنوات (يوجد 272 ألف أسرة عربية في البلاد)، بمعدل 16.5 ألف وحدة سكنية كل عام. في مثل هذا الوضع لا يمكن للبناء الذاتي والخاص، وبسبب تناقص مساحات الأراضي العربية والحالة الاقتصادية، التعامل مع أزمة المسكن وإيجاد الحلول لها، فالحل يكون في تخصيص مساحات أراضٍ كافية للقيام ببناء منظم وعصري يفي بكافة احتياجات الأسر العربية.

جزء كبير من التعامل مع أزمة المسكن يقع على عاتق الدولة، بالأخص وزارة البناء والإسكان، ولكن في واقع الأمر يوجد شبه تجاهل في تلك الوزارة لاحتياجات المجتمع العربي. من مراجعة قائمة لمشاريع الإسكان التي بادرت إليها وزارة الإسكان في العام 2006 نجد عرضًا لمئات بل آلاف الوحدات السكنية في كافة البلدات، ومنذ بداية العام الحالي بيعت في تلك المشاريع قرابة 3,000 وحدة سكنية، منها 31 فقط في مدينة الناصرة (مشروع شنلر). ولم تتضمن قائمة مشاريع البناء أو تسليم الوحدات السكنية أية بلدة عربية أخرى، أي أن مشروع شنلر هو مشروع الإسكان الوحيد الذي بادرت إليه وزارة البناء في البلدات العربية في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يبدأ التحضير لمشروع إضافي في مدينة الناصرة يضم قرابة 2,800 وحدة سكنية.

أما في مجال الميزانيات، فقد بلغت ميزانية وزارة البناء والإسكان للعام 2007 قرابة 6 مليارات شيكل، خُصص منها بشكل مباشر وواضح 30 مليون لبناء أبنية عامة في البلدات العربية، و7 ملايين للبنى التحتية في البلدات العربية و10 ملايين لبنود مختلفة، أي ما مجموعه 47 مليون شيكل، أقل من 1% من مجموع ميزانية الوزارة وقرابة 5% من مجموع الميزانية الجارية.

خلاصة القول: حل أزمة المسكن لدى المجتمع العربي لن يأتي من وزارة البناء والإسكان، على الأقل في ظل سياساتها الراهنة.

خطة لحام

من هنا لا بد للقطاع الخاص والمجتمع العربي البحث عن حلول. أحد هذه الحلول طرح، ولأول مرة بشكل علمي وعلى شكل برنامج متكامل إلى حد ما، من قبل المهندس سليم لحام، الذي أعدّ برنامجًا للبناء المركز في البلدات العربية يمتد لمدة عشرة أعوام.

"مالكم" توجّهت للمهندس سليم لحام رئيس إدارة شركة "لحام للبناء"، وناقشته اقتراحه.

ينطلق المشروع من فهم عميق لواقع البناء القائم لدى المجتمع العربي، والذي يتميز ببناء بشكل فردي وغالبا من دون تحضير البنية التحتية اللازمة، مما يؤدي إلى تجاهل الاحتياجات العامة، وعدم تلاؤم البناء مع الحيّز العام. ويخلق هذا الوضع تآكلا سريعًا في مساحات الأراضي المتبقية للبناء من جهة، ويساهم في رفع أسعار الأراضي بشكل غير اقتصادي، ولا يحل أزمة المسكن على المدى البعيد.

ويحاول المشروع، الذي عرض على وزارة البناء والإسكان ووزارة المالية ولجنة الداخلية في الكنيست، أن يوفّر الوحدات السكنية اللازمة لاحتياجات المجتمع العربي، وبشكل متكامل وعصري مع جميع مستلزمات البنى التحتية والمناطق العامة.

ويساهم المشروع في حال تطبيقه في الحدّ من ظاهرة الانتقال غير الطوعي للأزواج الشابة العربية للسّكن في المدن اليهودية (التي لا توفر الشروط الاجتماعــية والتربويـة الضرورية للمجتمع العربي) ودفع أسعار مرتفعة جدا لشراء البيوت هناك (ما يحصل من تضخم اصطناعي لأسعار البيوت في البلدات اليهودية لا يعكس بالضرورة سعرها الحقيقي).

وتوضيحا لهذه النقطة، فإنّ موقف المهندس سليم لحام لا يعارض انتقال الأزواج الشابة العربية أو العائلات العربية للعيش في بلدات يهودية أو مختلطة، إلا انه يعتقد أن معظم العائلات العربية تفضل البقاء في البلدات العربية إذا ما توفر ذلك، أما في حال كان الانتقال طوعيًا ولضروريات العمل أو بسبب اختيار العائلة العربية فلا مانع.

الحل المقترح في المشروع يقوم على:
- نقل الدولة أراضي للبلدات العربية بهدف البناء؛
- بناء أحياء تشمل آلاف الوحدات السكنية الملائمة لنمط الحياة لدى المجتمع العربي، منها الوحدات المشتركة ومنها وحدات منفردة أو مزدوجة، بشرط ألا يتعدّى عدد الشقق 12 شقة للدونم الواحد؛
- يشمل البناء كل البنية التحتية اللازمة، وعن طريق مناقصات مشروطة بحدّ أعلى لسعر الشقة وبسعر منخفض للأرض. وكذلك تشمل تخفيضًا بنسبة 50% لأعمال التطوير العامة؛
- تكون المناقصات للمقاولين عن طريق القرعة، كي لا تساهم المنافسة في رفع أسعار الشقق؛
- ملاءمة ومساواة حجم قروض الإسكان بين القرى والمدن العربية واليهودية؛
- إعطاء قروض إسكان بفوائد مخفضة مع هبات بقيمة 150,000 شيكل للوحدة السكنية في البناء المكثف، تنخفض تدريجيا حتى الصفر في البيوت المنفردة؛
- منح هبات بمبالغ عالية تنخفض تدريجيًا خلال 10 سنوات حتى 50%، بغية تشجيع السكان على الانتقال إلى المشاريع السكنية.

كما تحتوي الخطة على برنامج مفصل لمصادر التمويل، وكيف أنها لن تكلف خزانة الدولة الكثير. لكن تنفيذ ونجاح المشروع يتعلق بالأساس بموافقة الدولة على توفير مساحات الأراضي الضرورية. من الواضح أن المشروع يتناول كافة الجوانب المتعلقة باحتمالات النجاح، ويحمل في طياته "إغراءات" للدولة وللمواطن العربي بغية طرح حلول لأزمة السكن.

وقد يجد البعض في الاقتراح جوانبَ سلبية أو غير متكاملة، وهذا أمر طبيعي في بداية كل مشروع. إلا أن الأهم في هذا الجانب هو أن تقوم جهة عربية ولأول مرة، مؤسسة أو شركة خاصة، بعرض برنامج مفصل ومتكامل إلى حد بعيد، يتعامل مع الاحتياجات الخاصة للمجتمع العربي وعلى دراية كافية ومهنية عالية في هذا المجال، وذات تجربة في التعامل مع المؤسسات الرسمية في الدولة، لاقتراح حلول لقضايا المسكن، دون أن تفرض الحلول من قبل الدولة، أو أن يتم تجاهل المشكلة.

أضف إلى ذلك أن هذا الاقتراح هو المشروع الوحيد قيد البحث والتداول في الساحة العامة. من الجدير ذكره أن الوزارات ذات الصلة والتي عرض عليها المشروع أبدت مواقف ايجابية حتى الآن.

وأبدى عضو الكنيست حنا سويد في اتصال مع "مالكم" دعمه المبدئي للمشروع المقترح، إلا أنه يعتقد أنّ عدد الوحدات السكنية يجب ألا يزيد عن 5 وحدات في الدونم الواحد. من هنا، يقول سويد: “إننا بحاجة إلى قرابة 30,000 دونم صافية لبناء 150,000 وحدة سكنية خلال 10 سنوات. بالإضافة إلى 20,000 دونم للاستعمالات العامة. وعلى الدولة أن تزود 50% على الأقل من هذه الأراضي وكذلك تحويل استعمالات أراض بملكية عربية خاصة من أراض زراعية إلى أراض للبناء، بغية حل أزمة المسكن".

"مالكم" تعتقد انه في حال وافقت الدولة على توفير مساحات كافية من الأراضي وضمها إلى مناطق نفوذ البلدات العربية لتكون مخصصة للبناء، فان ذلك يشكل نصف الحل، أما الباقي فيتعلق بالتنفيذ وعرض مشاريع تتلاءم واحتياجات المواطنين العرب كي لا نرجع على التجربة الفاشلة التي كانت في بداية التسعينيات لبناء وحدات سكنية مشتركة في مدينة الطيرة، وان نستخلص العبر من تجربة مشروع "شنلر"، وتفادي بعض الجوانب السلبية التي وقعت في تنفيذ المشروع، من حيث كثافة البناء والبطء في التنفيذ.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018