تداعيات رفع الحد الأدنى للأجور/ زياد توفيق أبو حبلة*

تداعيات رفع الحد الأدنى للأجور/ زياد توفيق أبو حبلة*

 تمت مؤخراً المصادقة النهائية على قرار رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 12%  من 3,850 شيقل حاليا إلى 4,300 شيكل- أي بمبلغ 450 شيقل  والتي سوف تكون على مرحلتين: 200 شيقل بشهر بشهر -يوليو 2011 , و 250 شيقل في شهر اكتوبر 2012).  في الحقيقة لم تكن هذه  المبادرة الأولى في  هذا المجال بل أتت بعد نقاشات فشلت في السابق بين اتحاد أرباب الصناعة والتجارة، وزارة المالية ونقابة العمال ولعل أبرزها التي ترأسها عمير بيرتس.

هذا التعديل الذي يكلف  خزينة اسرائيل مبلغ 200 مليون شيقل سنوياً هو بمثابة أداة للتدخل الحكومي في سوق العمالة. وهو بمثابة أداة للإصلاح الاجتماعي،  اذ ينص قانون الحد الأدنى (قبل التعديل) أن الأجر للعامل لا يمكن أن ينخفض دون  نسبة % 47.5 من متوسط الأجور في الدولة (8,340 شيقل) . هذا القانون يعطي الحكومة القدرة على المحافظة على مستوى معيشي معقول وعدم انتهاك حقوق العامل من قبل المشغلين.

على الرغم كوني من دعاة الإصلاح الاجتماعي، لكن بنظري تعديل القانون مؤخراً غير مجد واتى بتوقيت غير ملائم لعدة عوامل وأهمها:

  • - اعتبارات سياسية:  ينهي زعيم نقابة العمال – الهستدروت- عوفر عيني مهامه في النقابة قريباً، وهو في طريقه لخوض المعارك السياسية والحزبية ونجاحه في رفع الحد الأدنى من الأجر سوف يزيد رصيده الإنتخابي!
  • - ما زلنا نتحدث عن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على الاقتصاد الإسرائيلي. صحيح أن الناتج المحلي الخام ارتفع بنسبة 2.4% في العام 2010، لكنه لم يعد  لمستواه قبل اندلاع الأزمة – 5% (النمو ناتج عن مجالات معينة واهما الهايتك والبيوتك!!)
  • - 30% من الأجيرين في اسرائيل (وعددهم الإجمالي ما يقارب 2 مليون أجير) يتقاضون أجور تلامس أجر الحد الأدنى. 14% منهم يتقاضون أجرا تحت الحد الأدنى. هذا يؤكد لنا أننا كمشغلين غير قادرين على تحمل المبالغ الحالية والتعديل حتما سوف يزيد من نسبة العمالة غير قانونية!!
  • - نسبة البطالة اليوم ما زالت مرتفعة وتصل 6.6% التي تشكل 211 الف عاطل عن العمل (مقارنة بنسبة 7.5%  التي تشكل 230 الف عاطل عن العمل في 2009). عدة أبحاث في الولايات المتحدة توصلت الى نتيجة مفادها أن رفع مستوى الأجر ألأدنى في الولايات المتحدة أدت إلى تقليص أماكن العمل بنسبة 11%.
  • - تغييرات إقليمية وسياسية من شأنها التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي. شهد الشرق الأوسط مؤخراً ثورات أطاحت بالأنظمة الحاكمة. هذه الثورات أدت إلى تغييرات اقتصادية ولعل أبرزها الارتفاعات في أسعار النفط والغاز.
  • - اجر الحد الأدنى المعمول به حاليا مرتفع نسبيا ,بالمقارنة مع دول كثيرة في العالم ( 19.7 شيقل للساعة في الولايات المتحدة و 28 شاقل للساعة في بريطانيا والخ) وما من سبب يدعو إلى رفعه.

من هذا المنطلق فإن رفع اجر الحد الأدنى  في  وقته الحالي له أبعاد سلبية ويحوي في طياته على  نوع من الخطورة  للاقتصاد الإسرائيليب شكل عام وللاقتصاد في  الوسط العربي بشكل خاص على ازدياد نسبة البطالة والفقر.  فبعد هذا القرار لم يعد للمشغلين وأصحاب المصالح خيارات عدة فسرعان ما يجدون أنفسهم  في دوامة رفع الأجر للعاملين القدامى الذين تقاضوا في السابق أجورا أعلى من اجر الحد الأدنى وأصبح اجرهم  بعد التعديل يعادل اجر العاملين الذين يتقاضون اجر الحد الأدنى . ناهيك عن ان الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار مواد الخام والنفط أشعلت الحالة التنافسية في الأسواق، ولم يبق لهذه الشركات سوى هامش الربح الضئيل، الأمر الذي سيدفع بالمشغلين محاولة "دحرجة التكاليف" على المستهلكين؛ رفع أسعار السلع، فهذا خيار غير وارد في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية والمنافسة الشديدة.  أما التعاطي مع  عاملين «غير قانونيين» من مناطق السطة الفلسطينية والأفارقة والأسيويين الذين يتجولون بحرية ويعملون دون التقيد بأي قانون. اضافة الى اتخاذ قرارات إستراتيجية  تهدف نقل المصانع إلى دول فيها عمالة رخيصة (الأردن الصين ..)- دول ذات أفضلية نسبية او إغلاق المصانع وتسريح العمال!!

 مهما يكن الخيار، فإن النتيجة الحتمية على الأوضاع الإقتصادية في البلدات العربية في اسرائيل برأيي هي بازدياد نسبة البطالة وبزيادة نسبة الفقر. فعلى الرغم من دخول إسرائيل في منظومة دول OECD   إلا أن هذا القرار سوف يزيد من الفارق بين نسبة الفقر في هذه المجموعة لما هو بالبلاد إذ إن معدل نسبة الفقر بهذه المجموعة هو   10%  وفي  البلاد 23.7% وذلك كون أكثر من 50% من العائلات العربية تعيش تحت خط الفقر، في وقت تتسم فيه الصناعة في الوسط العربي غالبيتها بالصناعة التقليدية وتعتمد على الأيدي العاملة والمواد التصنيعية في وقت تفتقر هذه الشركات لهامش الربح!!

وأخيراً, اعتقد  انه بدلا من رفع اجر الحد الأدنى يتوجب الإستمرار  بانتهاج وسيلة ضريبة الدخل السلبية، التي بموجبها يحصل أصحاب الرواتب المتدينة على هبة خاصة ليتمكنوا من العيش بكرامة. إذ يتوجب على  الحكومة توسيع المناطق التي يجري فيها انتهاج وسيلة الضريبة السلبية لتشمل كافة إنحاء البلاد . كما أن رفع اجر الحد الأدنى سيؤثر سلبا على مصالح ومؤسسات كثيرة تواجه أصلا منافسة شديدة مع مثيلاتها في الخارج، وبدلا من ذلك باعتقادي ان تكثيف الجهود في تطبيق القوانين والأنظمة التي تلزم المشغلين بدفع اجر الحد الأدنى ,إذ  أن المعطيات المتوفرة   تفيد بان 14% من مستحقي اجر الحد الأدنى لا يحصلون عليه، رغم إنهم يعملون في وظائف كاملة .

 


(*)  مدقق حسابات وخبير اقتصادي,  دُكتورانت – جامعة حيفا.

للتعقيب  والتواصل   :www.zah.co.il

تنويه: هذا المقال بمثابة تعبير عن رأي الكاتب الشخصي وليس بديلاً لنصيحة مهنية أو قانونية. على الراغبين بذلك التوجه خطياً للكاتب عبر موقعه على شبكة الانترنيت.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018