الكلاب تنبح وتعضّ.. والحافلة تسير!

الكلاب تنبح وتعضّ.. والحافلة تسير!

تركتُ المكتب في يوم من أيّام هذا الأسبوع الشفاعمري، وقصدتُ المحطة المركزيّة "ليف همفْراتس" وفي وجهتي مدينة شفاعمرو الثكلى. كان هذا سفرًا من أجل السفر لا غير؛ فمنذ أن تركتُ بلدي الأم قبل ستّ سنوات تقريبًا مُغرِّبًا شبه مُغترب إلى حيفا، ما عادت الحافلة حاملة الرقم 165 تلزمني، وهي التي لسنوات عديدة، أقلّتني من حيفا العمل والدراسة والملذات في البحث عن الذات، إلى المدينة- القرية المتضخّمة، البيت والمأوى وملقى الأصدقاء.

الساعة الآن الخامسة بعد الظهر، وأنا الآن في المحطة المركزيّة التي دخلتُها بعد تفتيش بسيط مقتضب ارتكبه بإهمالٍ حارسٌ "روسيٌ" كان منهمكًا في مكالمة خليويّة رُطنت باللغة الروسيّة التي تحتلّ فضاءنا السمعيّ والبصريّ في السنوات الأخيرة. في داخل المحطة يتكرّر المشهد ذاته: أعداد هائلة من الجنود ببزاتهم الخضراء المشؤومة في طريقهم إلى لقاء حبيب أو إلى اعتلاء الـ "جيب"، نحو الإغتيال القريب أو لمجرّد تقطيع البطاطا. مشهد عادي بالتأكيد في هذا المعسكر الإحتلالي الكبير المدعو دولة، دولة اسرائيل.

بعد قليل سيسألني عنصر آخر من رجال أمن المحطة بالزيّ "الكاكي": "هل أستطيع مساعدتك؟"، ليس بقصد مساعدتي لا سمح الله، بل لغرض استدراجي نحو لفظ كلمة أو اثنتين بلغته العبريّة قد تزيل عنّي أية شبهة أمنيّة. وأنا بدوري لم أتأخّر في إبراز موهبتي في إتقان لغة الدولة فقلتُ، مرغمًا أخاكم لا بطل: "لا، شكرًا، لماذا تسأل؟". هذه الإجابة المجبولة بطين "الوقاحة الإسرائيليّة" التي يفتخر بها أبناء عمنا الصهاينة، أزالت عني الشكّ الدائر في رأس هذا "الأمني"، فغاب عن وجهي قبل أن أقول له ما قصدتُ فعلاً: "سجّل أنا عربي، ورقم حافلتي 165، وشهدائي أربعة، وخامسهم قد يأتي بعد حين!"
هل كان خائفًا عليّ أم منّي؟.. ما عدنا نعرف في هذه الأيّام!

في الساعة الخامسة وخمس دقائق بالضبط أطلّت علينا، أبناء بلدي المنتظرين وأنا، الحافلة رقم 165. في هذا الوقت، قبل أيام معدودة، إنطلق السائق ميشيل (ميخا) بحوث، كما كان يفعل بشكل يوميّ تقريبًا، في رحلته الأخيرة. ومن هنا صعد الإرهابي الغادر إلى حافلة الموت حاملاً معه سلاحه الإحتلالي المعبَّأ برصاص الكُره الإستيطاني الفاشي الذي سيمزّق جثث أربعة من خيرة أهل بلدي، بعد أقل من ساعة.
ميخا، السائق البشوش المحبوب عند أهالي بلده، ونادر حايك، الإنسان المتواضع المنتمي لفئة صغيرة من الناس نطلق عليهم تحبّبًا: "يحلف بغربته عندما يصل الناعمة" (الناعمة- مفرق شفاعمرو الشمالي)، وهزار ودينا تركي، ابنتا الرجل الكادح الضاحك من كل شيء، أبو عزّت، الذي لوّن لنا، أنا وصديقي نزار حدّاد، رماديّة يوم العمل الشاق أيام عملنا معًا في بناء قصور البهائيّين قبل حوالي 8 سنوات.

صعدتُ ضمن من صعدوا إلى الحافلة. كان السائق مارون نصرالله، وهو من معارف الطفولة، أيام كنا، نحن أولاد حارة "المشرِّق" التي نشأتُ فيها، نباري أبناء "حارة البلد" في كرة القدم. تنفّست الصعداء لأنّّني أعرف السائق وبالتالي سيسمح لي بالقيام بمهمّتي الصحافيّة من دون رسميّات اللجوء إلى الناطق بلسان شركة "إيغِد"، وهذا ما كان. ولا أخفي عليكم أنّ الأحداث التي ستجري في هذه الرحلة القصيرة زمنًا ومسافة هي من نوع الأحداث التي تحثّّني على "غناء الموّال الذي في رأسي" ثانية، وهو موّال السينما– حبّي الأوّل. في مواقف كهذه ينتابني نفس الشعور وتنقر رأسي نفس الفكرة: "بس لو معي كاميرا"!

الموقف الغريب الأوّل والمتوقّع الذي سأسجّله في مذكرتي كان أنّني الراكب الوحيد الذي جلس في المقاعد الأماميّة للحافلة. وأقصد في المقاعد الأماميّة جميع المقاعد الواقعة بين الباب الخلفي والأمامي. فيما بعد سيعترف معظم الركّاب لمسجّلي الصوتي أنهّم يخشون المقاعد الأماميّة، وهذا أمر طبيعي بلا شك! نظرت حولي لأتفحّص الموجودين في الحافلة لأكتشف أنّ جميعهم من أهل البلد ما عدا اثنين أو من الأصح القول: واحد وواحد. فالأوّل كان يهوديَّ الهويّة شهدت عليه لحيته البيضاء الطويلة و"كيباه" مطرّزة وكتاب "تهيليم" (صلوات) لا يترك للشكّ مكانًا. أمّا الثاني فكان جنديًا بالزيّ الأخضر، أشقر الشعر أزرق العينيْن وفي يده بندقيّة "إم 16"، وهذه الصفات مُجتمعة في أيام كهذه كان من شأنها دبّ الذعر في نفوس الركّاب الذين لم يصحوْا بعد من نكبتهم الطازجة، وللحديث تتمة!
وسيم سمنيّة (27 عامًا) يصعد إلى الحافلة عند مفترق "كريات آتا"، وفي دخوله ينكسر الصمت المشحون الذي خيّم على هذه الرحلة منذ انطلاقها قبل دقائق معدودة؛ فسمنيّة يتصرّف في الحافلة كأنّه في البيت. أعتقد أنّ "وحدة الحال" التي فرضتها المجزرة اللئيمة، تمنح سمنيّة مساحة الحضور الفكاهي والطريف. أتوجّه اليه وأسأله أولاً عن الخوف فيستلّ إجابته بلا تردّد: "أنا بس خايف... منذ الحادثة أنا موجود في حالة تأهّب دائم، أي جندي يبقى في الباص بعد أن نمرّ في كريات آتا يُدخلني في حالة خوف". سمنيّة، كما حدثّني، يسافر في هذه الحافلة يوميًا في نفس الساعة وهو يعرف السائقيْن اللذيْن يتناوبان على هذا "الشيفت" شخصيًا، أحدهما كان ميخا. في يوم العمليّة تأخّر سمنيّة خمس دقائق عن موعد مرور الحافلة فنجا بحياته، لأنّه كما لاحظتُ، معتاد على الجلوس في المقعد الأمامي حيث يتبادل الحديث مع السائق...

نبيل شحادة (51 عامًا) صعد إلى الحافلة وجلس إلى يمين السائق، في نفس المقعد الذي جلست فيه الشقيقتان دينا وهزار. أسأله هو الآخر عن الخوف فيقول: "الخوف موجود بالتأكيد، والكثير من الناس تمتنع عن السفر في الحافلات العموميّة مع أنني أعتقد أنّ لا مفرّ من استعمال هذه الوسيلة للسفر، لكن الحذر مطلوب وهناك حاجة لزيادة الوعي عند الناس في هذا المجال وللإعلام دور في هذا. من يشكّك في أحد المسافرين عليه التبليغ فورًا".

لجملة شحادة الأخيرة هذه سيكون، بعد دقيقة، وقعٌ كوميديٌ من نمط "شر البليّة ما يضحك"؛ فبعد أن أنهيتُ حديثي معه، توجّهتُ حسب نصيحة السائق، للراكب الذي يجلس في المقعد الأوّل بعد الباب الخلفي وهو رفيق علي، أبو بلال، الذي كان أحد المسافرين في رحلة الموت يوم الخميس الفائت. جلستُ إلى جانب أبي بلال وسألته سؤالاً استفتاحيًا خارجًا عن سياق حديثنا مثل: "كيف الحال؟" و"كيفك اليوم؟"، فأجابني بتمنّع ملحوظ: "أنا لا أستطيع الحديث فضغطي عالٍ وقد أفقد الوعي لسبب هذا الجندي الجالس خلفنا!". نظرتُ إلى الجندي الذي يتحدّث عنه. كان صامتًا شاردًا بأفكاره كما أوحت عيناه، قابضًا على سلاحه بقوّة، مشهد مرعب، بل مرعب جدًا كما أوحت عيون جميع الجالسين من حوله.

تركتُ مقعد أبي بلال وفي خطوة شبه مجنونة جلستُ في الكرسيّ بجانب الجندي، حدّقت به بضعة ثوانٍ وقلتُ في نفسي: "ماذا ستخسر يا ولد؟ كُن جريئًا شجاعًا فتكسب ثقة المسافرين– قراء الصحيفة بعد ثلاثة أيام". ثم قرّرتُ "عليّ وعلى قرّائي يا رب"، وسألته: "بتحكي عربي أبو الشباب"، فأجابني بعربيّة معروفيّة أصليّة: "آ يا زلمي، أنا من البلد، ليش قلقانين؟!"، فكانت هذه الجملة كالسدّ الهشّ الذي انكسر، فتدفقت عبارات انفراج الأزمة بعدها؛ فهذا يقول: "أرعَبتنا يا رجل"، وذاك يقول: "كدت أنزل من الحافلة عندما رأيتك"، والسيّدة في المقعد الخلفي تقول للجندي: "هذه هي المرّة الأولى التي أجلس فيها في المقاعد الخلفيّة، كنت أستعد للهجوم عليك من الخلف..."، وأبو بلال يصرخ ضاحكًا: "رُحت ما تموّتني.."، والسائق ينضمّ إلى الجوقة الضاحكة على سخرية قدرنا المركّب في هذه البلد: "يا عمّي أنا بعرفُو للشاب، هذا واحد منّا!".

أضحك معهم وأفكر كم أصبحت مُعقّدة هذه الكلمة، "مِنّا"، والجندي في مكانه يبتسم بسمة صفراء خجولة. كم أتمنّى أن أعرف ماذا يجول في خاطره الآن. لكنّه رفض الحديث. كان حاضرًا معنا غائبًا عنا، والغائب عُذره معه!
أعود للجلوس إلى جانب أبو بلال بعد انفراج الأزمة ليقدّم لي شهادة حيّة (كم تكون دقيقة هذه العبارة أحيانًا) عمّا دار في الحافلة يوم المجزرة: "كنتُ أجلس هنا في نفس المكان. عندما وصلنا كريات آتا طلب مني ميخا أن أسأل الجنديّ الإرهابيّ الذي جلس في المقعد الخلفي عما إذا كان يريد النزول، فسألتُه بالعبرية فلم يُعِرْنا اهتمامًا وأشار لنا بيده بأن نواصل السير. في المحطّة القريبة من بيتي وقفتُ لأنزل من الحافلة. كان الإرهابيّ يقف عند الباب الأمامي، وفجأة سمعتُ إطلاق نار، فهربتُ بسرعة إلى الخارج وهناك فقدتُ وعيي لسبب ارتفاع ضغط الدم عندي، ونُقلت إلى المستشفى..."

غالبيّة الركّاب في الحافلة رقم 165 التي تنطلق يوميًا في الساعة 17:05 من مشارف حيفا إلى المدينة الناعسة شفاعمرو، هم من فئة الركّاب الدائمين كونهم من العمال العائدين إلى بيوتهم بعد يوم عمل في "خليج حيفا". من هنا، كان من الطبيعي أن أصادف الكثيرين ممّن قالوا إنّ القدر كتب لهم عمرًا جديدًا بتأخّرهم يوم الخميس عن موعد الحافلة أو بالسفر إلى البلد بوسيلة بديلة.

ضاهر نصرالله كان بانتظار الحافلة 165 يوم المجزرة، لكنّ صديقًا له مرّ صدفة من المحطة وأقلّه إلى شفاعمرو، فوصل سالمًا معافًى. نصرالله قدّم لي عيّنة بسيطة من الإستنتاجات التي استنبطها المسافر العادي في باص 165 قائلاً: "عادة كنت أجلس في المقاعد الأماميّة تجنّبًا لضجيج المحرّك في المقاعد الخلفيّة، لكنّني اليوم، كما ترى، أجلس في القسم الخلفي على مقربة من الباب تحسبًا لأيّ طارئ". أهزّ برأسي متفهمًا لكنني أعرف أنّ درهم الوقاية هذا لا ينفع في غياب العلاج، علاج جذري لوجود ورم سرطاني اسمه الإستيطان، كبر وترعرع في كنف ورم أعظم كلّنا نعرف اسمه..

نصل إلى مكان وقوع المجزرة فأنزل من الحافلة هناك وفي جعبتي الكثير من الأسئلة التي أعرف أنّّني لن أجد الإجابات المنطقية عليها، كونها كُتبت في واقع مجنون. قبل أكثر من أسبوع كانت عائلتي المقيمة في شفاعمرو تخاف عليّ من حيفا المهدّدة بحكم "إسرائيليّتها"، واليوم أنا أخاف على عائلتي في شفاعمرو المهدّدة بحكم عروبتها.

قبل سنتين تقريبًا فقدتُ أربعة من عائلتي الفسوطيّة في عمليّة "مطعم مكسيم" وبكيتُهم بعد أن بكيتُ مع أعزّ أصدقائي قريبَه منفّذ عملية "ياجور". لي أصدقاء من غزّة والضفة الغربيّة حسدوني، في لقاء لنا قبل أسبوعيْن، على "النعيم" الذي نحياه هنا، نحن عرب الـ 48، وأيُّ نعيم هذا بعد أن صرنا، في زمن فك الإرتباط، عرب الـ 165!

والله ينجّينا من الآت...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018