دوي الأقلام../ اسعد تلحمي

دوي الأقلام../ اسعد تلحمي

لم يستفز سقوط قذيفة "القسام" في قلب مدينة عسقلان، اول من امس، حنق اركان الحكومة الاسرائيلية وحدهم بل دفع كبار المعلقين في الصحف العبرية الى شحذ اقلامهم ليدلوا بدلوهم ويفرغوا من سمومهم بغرض صب الزيت على غضب الوزراء معتبرين نجاح الفلسطينيين في تطوير مدى القذائف البدائية وتحسينها، قصفًا لما يحلو لهم تسميته هيبة الردع الاسرائيلية، اي زعزعة العجرفة والصلف والاستقواء، داعين الحكومة الى الثأر فورًا حرصًا على عدم خلخلة "ميزان الرعب".

وامس طبلت الصحف العبرية في عناوينها الرئيسية للحرب التي صعدتها اسرائيل على القطاع، وطالبت بها هي نفسها وأرسلت بموفديها على ظهر الدبابات الاسرائيلية ( كما أترابهم الأميركان في غزو العراق) ليعدوا التقارير الى القراء.

ونشرت كبراها، "يديعوت احرونوت"، على الصفحة الاولى صورة لجنود يحيطون بدبابة ويشهرون بنادقهم وكتبت بالمانشيت العريض: "صيادو القسام". والصيد، تحت "امطار الصيف" مصطلح يكثر المعلقون المتبجحون بذراع اسرائيل العسكرية الطويلة من استعماله، إذ منذ متى اقروا بأن الفلسطينيين بشر لا عصافير تقتل من دون ان يسأل احد عنها.

وهل أحد منهم يعلم كم فلسطينيًا قتل الاحتلال هذا الاسبوع؟ وهل يكترث الاعلام العبري، والدولي برمته بعدد الفلسطينيين الذين تحصد طائرات الاحتلال ودباباته أرواحهم يوميا... فالاهتمام مشدود نحو ثرثرة وزراء حكومة اسرائيل ووعيدهم واجتماعاتهم وصحتهم..

لسنا، في هذه العجالة بصدد الخوض في دور الاعلام العبري، فالمسألة تحتاج الى مساحة اوسع بكثير، لكن الانفلات الاخير يستحق وقفة.

فقد اعتدنا، خصوصًا منذ اندلاع الانتفاضة ومنذ احكم ارييل شارون قبضته على سلطة البث وحوّلها الى بوق دعائي لسياسته واداة طيعة بيده، ان "الاقلام العبرية تصمت حين تدوي المدافع" لكننا في الاونة الاخيرة بصدد معادلة جديدة تقول ان "الاقلام تدوي لتدوي المدافع" وإلا كيف يمكن تفسير ان يسمح المعلق العسكري في "يديعوت احرونوت" اليكس فيشمان لنفسه - وسبقه محرر معاريف امنون دانكنر - بوضع تفاصيل العملية العسكرية الواجب على الحكومة أقرارها!!.

اما الاذاعة العبرية الرسمية "ريشت بت" فلم تعد تختلف عن شقيقتها الناطقة بالعربية من حيث التحدث بلسان الحكومة فتسمح الاذاعية استي بيريز لنفسها (الثلاثاء الماضي) بمقارعة المتحدث بلسان حكومة "حماس" لمجرد اشارته انه مقابل الجندي الاسرائيلي المخطوف هناك الاف الاسرى يقبعون في السجون الاسرائيلية، لتقول له (الترجمة حرفية): بالله عليك.. صدقني ان كل واحد من الفلسطينيين كان سيسعد ليكون اسيرًا في سجن اسرائيلي في الظروف التي يعيشها السجناء هنا... وهل عانيت انت - كثيرًا من السجن هنا.. الظروف في السجون الاسرائيلية ليست سيئة وبالتأكيد اذا ما قارناها بالظروف التي يعيشها ذلك المسكين، الجندي الاسير عندكم..".

استي بيريز، كما فيشمان كما الاعلام العبري، قرروا منذ سنوات، وكما في كل "زمن عصيب" واجهته اسرائيل - اثناء شنها الحروب - ان يكونوا داجنين، لكنهم هذه المرة اختاروا ايضًا دور المحرضين. تخلوا عن دور الصحافي المنتقد، الذي يطرح الاسئلة ، الذي يشكك في صدقية البيانات العسكرية او على الاقل يناقشها لا يتبناها بحرفيتها، دور الصحافي الذي لا يمكن ان يسير، في نظام يتشدق بديمقراطيته، وراء المؤسسة من دون بصيرة..

اختار الاعلام العبري ان يكف عن السعي لكشف الحقائق، ان يحرج بأسئلته سدنة الدولة، ان يطرح علامات استفهام، ان يسأل عن "حال الطرف الاخر".. ان تحتج او حتى تزجر..

هذا هو واقع الحال في دولة تدعي ان الخالق خلق الديمقراطية فيها وحدها ثم كسر القالب. قلائل هم الذين يغردون خارج السرب. الاهم ان لا يمس ما يكتبه الاعلام بـ "المعنويات القومية"، ان يعكس "المزاج العام" متفاديًا رد فعل شعبيا غاضبا على مقال قد يفسر بأنه خارج الاجماع الصهيوني، ان لا تفسر الانتقادات مسًا بالبقرة المقدسة، الامن، وان لا تشكل "خدمة للعدو".

ماهية الديمقراطية الحقيقية ان تطرح اسئلة. ان تقدم صورة حقيقية للوضع... لكن، في اسرائيل يظهر الاعلام العبري مرة اخرى في اقصى حالات بؤسه.

"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018