دستور لإسرائيل ليس برنامجاً للنضال السياسي../ حسن عبد الحليم

دستور لإسرائيل ليس برنامجاً للنضال السياسي../ حسن عبد الحليم

مع احترامي للدور الحقوقي لمركز عدالة وللدور الهام الذي تؤديه على مستوى العمل المطلبي الحقوقي، في إطار الخطاب القانوني، وسقفه المحكمة العليا، إلا أنني أرى ثمة ما يقال حول مبادرتهم الأخيرة بطرح دستور لدولة إسرائيل.

وقبل أن أدخل إلى النقاط التي أود طرحها في سياق ملاحظاتي عن مشروع عدالة لا بد من الإشارة إلى نوع آخر من "النقد" ورد فيما نقله موقع صحيفة هآرتس عن رئيس مجلس كسرى-كفر سميع ورئيس "المنتدى الدرزي الشركسي" (هذا اسمه)، نبيه نصر الدين،أن: "إسرائيل هي دولة يهودية وأيضا دولة ديمقراطية وترفع راية المساواة والانتخابات". واستنكر المذكور وتحفظ من كل ما قدمه "مركز عدالة"، مضيفا: " للدروز والشركس في إسرائيل حلف دم وتحالف حي. نحن غير مستعدين لتأييد تغيير جوهري في شكل هذه الدولة التي ربطنا مصيرنا بها قبل أن تنشأ"(ترجمة حرفية) . عار على "هآرتس" والإعلام الإسرائيلي أن تستخدم هذه الطريق الرخيصة كل مرة تريد أن تنتقد فيها طرحا أصيلا من داخلنا.

الأخ أعلاه لا يريد أن تكون الدولة له، ويسير مع المخطط الإسرائيلي في تقسيمنا إلى دروز ومسلمين ومسيحيين وبدو، ويغالط نفسه باعتبار إسرائيل دولة ديمقراطية، هذا النقد ليس نقدا بل ترديد ببغائي للموقف الرسمي الإسرائيلي، ومع مثله ليس لنا حديث.. وما أريد التطرق إليه هو تماما الجانب المعاكس مما صرح به المذكور أعلاه ونقطة انطلاقي هي النقيض..

لا يمكننا أن نتجرد من تاريخنا، وأضعف الإيمان أن لا نجاهر ونقر بالمؤسسات الصهيونية ونسبغها بالشرعية. البرنامج السياسي للفلسطينيين في الداخل ضمن المواطنة والإمكانيات المتاحة هو أحد الأوجه، والأوتوبيا المثالية لما نصبو إليه ونتطلع إليه؛ هو الوجه الآخر. لا يمكنني كفلسطيني أن أطرح دستورا لدولة إسرائيل، إذ يعتبر ذلك نسفا لتطلعاتنا رغم تقاطع بعض بنوده مع برنامجنا السياسي.

ليس صراعنا مع المؤسسة الصهيونية قضائيا أو قانونيا بل هو سياسي بامتياز. وكنت سأقبل "مشروعا سياسيا" يتلخص بالباب الأول من دستور عدالة، وسأقبله كحد أدنى وسأحترمه لو طرح كبرنامج سياسي يتضمن مطالب على غرار ما تفعل الأحزاب الوطنية مؤخرا لمنع الصهينة في إطار المواطنة الإسرائيلية. وهو الفكر التجمعي المعروف ابن العقد ونصف الأخيرين والذي في أجوائه ومحيط تأثيره وتأثره ولدت مؤخرا وثائق كثيرة.

نحن كفلسطينيي ما بعد النكبة، يمكننا أن نتعايش مع الواقع وقبول بناء دولة مشتركة مع الشعب اليهودي رغم الإرث التاريخي الحاضر في وجداننا. صحيح أننا نعيش حاضرنا مع الصهيونية، ولكن لا يمكننا أن نتعايش معها ونقبلها، ولا يمكننا أن نجاهر بقبولنا لها. وأرى أن الحل السياسي القاضي بدولتين في مشروع سياسي واقعي، مقبول، ولكن على أن نستمر في النضال لكي نكون في الدولة التي نشكل سكانها الأصليين وتكون لجميع مواطنيها، ونحافظ على هويتنا القومية.

دستور إسرائيل هو تكثيف للتجربة الصهيونية منذ عام 1948 واستخلاص العبر منها إسرائيليا. ونحن نشكل عبئا فقط في هذا الجهد. لا يحق لنا كفلسطينيين أن نطرح دستورا لدولة إسرائيل والسبب واضح لأنها لا تعتبرنا أصحاب تلك الدولة، فهي دولة الشعب اليهودي التي قامت على أنقاضنا. ولأنها احتلت أراضينا عنوة ولم تتصالح معنا، ولأن جزءاً من شعبنا يرزح تحت الاحتلال وجزءاً آخر مشتتاً في المنافي. ونحن أيضا لا نريد أن نطرح دستورا لدولة إسرائيل- لا هو برنامج سياسي نتحدى به، ولا هو صياغة لفكرنا وتطلعاتنا للمدى البعيد.

تريدون تغيير الواقع، يتم ذلك من خلال تقديم مطالب ضمن برنامج سياسي ولنناضل من أجله، ولكن أن نقدم دستورا إسرائيليا نظريا نكرس فيه مؤسسات الكيان الصهيوني وحدود الدولة الإسرائيلية فهذا خطأ ولا يمكن أن يكون مقبولا.

إذا أراد أي فرد فلسطيني سواء في الداخل أو في مناطق الـ 67 أو في الشتات أن يطرح دستورا لدولة عتيدة تكثف وتعكس التجربة الفلسطينية، سيكون الحديث هو عن دولة على كامل التراب تضم اليهود والعرب، على أسس حق عودة اللاجئين والتكافؤ في الفرص، ورموز دولة مشتركة كحد أدنى. ونفرد فيها مكانا لليهود ولحقوق اليهود المدنية والقومية بمساواة تامة.

إذا أرادت عدالة أو من يعمل فيها وفي غيرها من الجمعيات أن يشارك في النضال السياسي في مهنته وخارجها، فدستور لدولة إسرائيل ليس برنامجا للنضال السياسي، أما إذا أرادت عدالة أن تضع أوتوبيا نصبو إليها، فإن الاوتوبيا التي أصبو إليها ليست دستورا لدولة إسرائيل، بل ربما دولة ثنائية القومية على كل فلسطين التاريخية بما في ذلك حق العودة للاجئين... الأوتوبيا شيء، والبرنامج السياسي للنضال في ظروف المواطنة في إسرائيل شيء آخر. أما دستور لإسرائيل نضعه نحن، ولن يؤخذ به، فهو لا هذا ولا ذاك بل وقد تكون له عواقب فكرية وقيمية سيئة للغاية. لا ليس في هذا العمل جرأة ولا بطولة، بل مشاركة على هامش نقاش نظري إسرائيلي في أفضل الحالات. هذا ليس برنامجا نضاليا يحدد مهام، ولا هو أوتوبيا لنا كفلسطينيين، بل تخلي عنها، دون أن نحقق حتى جزء منها في الدستور الإسرائيلي، نتخلى عنها فقط لغرض المشاركة في نقاش نظري. فلأي غرض؟