سديروت المنكوبة وغزة الوادعة../ حسن عبد الحليم

سديروت المنكوبة وغزة الوادعة../ حسن عبد الحليم

سديروت منكوبة؛ يعيش سكانها في رعب مستمر، بينما غزة التي تتعرض للقصف والحصار والإغلاق والتجويع والدمار والقتل وادعة أمنة هانئة.

قبل عدة أيام قصفت يد الإجرام منزل د. خليل الحية، أحد قادة حماس، وقتلت ثمانية من أفراد أسرته. كان المشهد مؤلما، إلا أنه لم يستدع أحدا من أعضاء مجلس الإجرام الأمني المصغر الذي قرر التصعيد ضد الفلسطينيين، إلى إعادة الحسابات، بل هناك من طالبوا بمزيد من الدمار.

بالمفهوم الإسرائيلي، غزة هي المعتدية، ليس على تجويعها وحصارها واحتلالها وعلى واقع يكون فيه الفلسطيني أما شهيدا أو معتقلا أو لا يجد قوت يومه، بل لأن التطرف؛ وهو الاسم الزور للصراع، عدو الاعتدال وهو الاسم الآخر للتواطؤ. دجل آخر..

يستطيع سكان سديروت الهرب إلى أي مكان آخر، على حساب غيداماك المطلوب في الانتربول على قضايا فساد، أو على حساب من لا يرغبون بصعود نجمه، بينما لا يستطيع أن يخرج أي من سجناء "سجن غزة المركزي"، إلا برحمه الاحتلال، ومعروف أن رحمة الاحتلال ليست مجانية وليست لدوافع إنسانية، ليس لأن الاحتلال هو أكبر عمل غير إنساني، بل لأنه يتبع سياسة تشجيع المعتدلين وحثهم على مزيد من الاعتدال.

ينضم، وزير الأمن الإسرائيلي، الذي سماه المرحوم أحمد أبو حسين "رجل القش من سديروت"، إلى ثلة الكاذبين والدجالين. ويزعم في لقائه مع صديق إسرائيل، منسق السياسات في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، الذي زار سديروت «المنكوبة» متضامنا، أنهم، أي الإسرائيليون، أبدوا إيجابية تجاه حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية إلا أن إطلاق الصواريخ يضع ذلك في موضع الشك. قد ينطلي كلام بيرتس على من يريدون أن يصدقوه في كل الأحوال، لأن من يصدق الكذبة الكبيرة، وهي الأسس التي بنيت عليها الدولة ذاتها، يمكنه بسهولة أن يصدق كذبة صغيرة جدا ككذبة بيرتس ولا يحتاج أن يشعر أي منهما بالحرج إزائها..

من نافل القول أن نُذكّر أن إسرائيل جندت كل طاقاتها لمقاطعة وحصار الفلسطينيين، ومطالبة العالم بمقاطعة حكومة الوحدة الوطنية.. بل بدأت في ذلك منذ أن انتخبت حماس بأغلبية للمجلس التشريعي.

لماذا يكذبون؟ الجواب بسيط؛ لأنهم إذا توقفوا عن الكذب سيضطرون للتنازل عن كثير من الأشياء، هم غير مستعدين للتنازل عنها. وعلى هذا الأساس يصور الفلسطينيون كإرهابيين وتعرض غزة على أنها آمنة وادعة «خرجوا منها» لتعتدي على سديروت المنكوبة..

يعرفون أنهم يكذبون؛ ويتبعون نظرية ترويج الكذبة وتكرارها إلى أن تنتشر على الألسن أكثر من الحقيقة، ويصبح ميزان صدقها هو ميزان القوة؛ وتصبح في كثير من الأحيان أصدق من الحقيقة. الصورة مركبة من أجزاء كثيرة، إلا أن السياسة الإسرائيلية تسلط الضوء بوقاحة متناهية على أحد جوانب الصورة بما يخدم رؤيتها وتهمل باقي الأجزاء التي لا تساهم في خدمة أهدافها.

رغم غباء رؤوس القيادة، لا يتصرف صناع القرار الإسرائيليون بالمنطق القبلي البدائي كما يبدو من أول وهلة في تعاملهم مع الأزمات؛ كـ"عليهم على غزة"، بل هناك حسابات تسيرهم وفق منظور إستراتيجي. والعنجهية والاستعلاء والفوقية والشعور بالقوة تلقي بظلالها على تصريحاتهم وقراراتهم.

قد تنطبق التصرفات وفق المنطق القبلي والطوشة العمومية على أحداث قطاع غزة الأخيرة؛ ولكنها تعود بالتالي إلى مصالح أشخاص معدودين، وما كل هؤلاء القتلى سوى حطب النار.

سيعود أولمرت بعد أن تدارك نتائج لجنة فينوغراد إلى لقاءات الأفق السياسي مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وستعود التعهدات الإسرائيلية إلى مستوى إزاحة حاجز عدة أمتار.. الأفق السياسي؛ كذبة إسرائيلية أخرى.. دجل آخر..



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018