لأن حركتنا الطلابية ترفض تهميش التيار القومي../ مجد كيال

لأن حركتنا الطلابية ترفض تهميش التيار القومي../ مجد كيال

أنتجت المثالية التنظيمية التي قدمها كادر التجمع الطلابي الديمقراطي في جامعة حيفا كبحا جزئيا لعملية الاستقطاب التي سادت الإنتخابات الأخيرة. ومنعت بشكل جزئي إتمام مثل هذة العملية بشكل كامل. وما حدث في جامعة حيفا لا يعكس واقع التيارات السياسية لا فلسطينياً ولا عربياً ولا دولياً، فلو حاولنا تصوير حالة تعكس هذا الواقع أشك بأن تيار قومي ديمقراطي بقدرات تنظيمية متوسطة قد يتمكن من عبور نسبة الحسم فيها.

شهدت جامعة حيفا حالة إستقطاب بين قطبين. قطب التيار الإسلامي الذي فرض نفسه كبديل للأحزاب السياسية التي "لم تقدر على النهوض بالحركة الطلابية ولا لجنة الطلاب حيث أن هذا التيار المتمثل بحركة "إقرأ" عمل على مدار أربع سنوات دون خوضه إنتخابات لجنة الطلاب العرب ومن ثم بالتعبئة الدينية. وقطب آخر شن هجوم كاسح ضد هذا التيار الديني بإعتباره تيار أصولي وعنصري. وفرض هذا القطب نفسه كـ "حامي حمى جامعة حيفا من الفتح الإسلامي".

للجبهة الطلابية حصة كبيرة في خلق هذة الحالة، مع أنها لم تتمكن من الإستفادة منها بشكل جدي نتيجة أمورها الداخلية التي لسنا بصدد نقاشها ولا هذا من حقنا أصلاً. ولكن خطاب الجبهة الطلابية في مواجهة "إقرأ" كان مبنياً على إرتجال فردي مرتبك تكون على صورة رد فعل لخطاب طائفي خلقته وفرضته الجبهة بيدها لتهاجمه، ولم يُلاحظ طرحه من قِبَل "إقرأ" منذ بداية المعركة الإنتخابية. وهذا طبعاً لا ينفي كون حركة "إقرأ" كانت جاهزة لطرح مثل هذا الخطاب. ولا ينفي إحتمال إنتظار "إقرأ" لمثل هذة الفرصة. ولكن التوجه الجبهوي الهجومي هو الذي فجّر الخطاب الطائفي من قِبَل "إقرأ". لم يحاول التيار الإسلامي منع عملية الإستقطاب الطائفي هذة، لأنها أصلاً تصب في مصلحته قبل أي ان تصب في مصلحة أي تيار آخر، ولكنه فرضها كرد فعل. لقد إنجرت "إقرأ" (والإنجرار ليس بالضرورة سذاجةً) الى بلورة الخطاب الذي أرادته الجبهة الطلابية لتتمكن من مهاجمته، حيث أن الجبهة أخطأت الحسابات السياسية ولم تسعفها المحاولات البائسة للإستفادة من هذا الخطاب بالرغم من أنها صانعته، ليس لعدم وجود قطب "ضد إسلامي" بل لمشاكل تنظيمية تخص الجبهة.

هكذا خُلقت عملية الإستقطاب. طرف يحاول فرض معادلة على طرف آخر متوهماً أنه يستطيع الإستفادة منها، الطرف الآخر يتقبل المعادلة لأنه يعلم جيداً أنه قادر على إكتساح الساحة عبر هذة المشؤومة.

في هذة النقطة، يفقد تيارنا القومي الديمقراطي هيمنته كقوة ثانية أو أولى. إذ إعتمدت كل من "الجبهة" و"إقرأ" على مخاطبة العاطفة والغريزة الطائفية، أما التجمع فلم يعتمد إلا على تنظيمه. ومن الجدير بالملاحظة أن خطابنا التجمعي كان قادراً على كسر وضرب كل الحسابات الطائفية بعرض الحائط عبر الخطاب الوطني والقومي المُوحد. وقد ينتقدنا البعض في إعتمادنا على التنظيم وقِلة إعتمادنا على الخطاب. وهناك أيضاً من يطالب القيادة بتطوير خطاب أكثر ملائمة لمواجهة حالة الإستقطاب هذة. وهنا لا بد من ملاحظتين: أولاً، أن خطابنا هو أكثر خطاب ملائم لمواجهة مثل هذة الحالة. وثانياً، لم يكن هناك أي مجال لفرض هذا الخطاب لأن حالة الإستقطاب هذة لم تتبلور إلا في الأيام بل في الساعات الأخيرة قبل الإنتخابات. ولم تتبلور أصلاً على شكل خطاب حزبي أو حركي يمكن مجابهته، بل على شكل نميمة فردية سرأ أو عبر المكالمات الهاتفية الى بيوت الطلاب، ولم تأخذ حيز الخطاب بمعناة الحقيقي. وأصلاً في وضع مثل وضع جامعة حيفا، لا مجال لِلمس مثل هذا الخطاب في غضون ساعات ولا حتى أيام، نتيجة عدم وجود حياة طلابية في الحرم الجامعي حيث أن معظم الطلاب العرب يعودون الى قراهم بعد إنتهاء يومهم التعليمي. وهنا يتمكن كلا القطبين من الإستفراد بالطلبة عبر الهاتف أو الزيارة البيتية وبث الجو الطائفي همساً.

لا بد لنا بعد أن بحثنا الأمور في حدود جامعة حيفا أن نبحثها كجزء من حالة سياسية عربية ودولية. حالة سياسية فيها صراع مفتوح بين تيار الإسلام السياسي وتيار يدّعي العلمانية أو اليسارية يحاول الوقوف بوجه كل محاولة إسلامية لدخول معترك سياسي. مع أننا لا نفهم كيف يمكن للـ"يسار" أن يقف موقف الإدارة الأمريكية من التيارات الإسلامية. ولا نتعامل مع القضية بجمود "عدو عدوي صديقي" ، بل من منطلق أن "عدو عدوي" ليس بالضرورة "أسوأ من عدوي"، أي محاولة لإنقاذ بعض النفوس من المعُقدة تاريخياً من هذا التوجه وهي عقدة نشأت بالأساس منذ الحرب العالمية الثانية و"الخازوق" الذي دبرته لنا كل من بريطانيا وفرنسا. وقد يكون عدو عدوي هو صديقي المرحلي الذي لا بد من مصادقته، لمواقفه من هذة القضية أو تلك، مع طرح كل التحفظات الممكنة، خاصةً بالمنظور الإستراتيجي، بشكل قوي وحاسم يهيئ لمراحل قادمة بعيدة المدى من المُحتمل أن تنقلب فيها الحسابات، فالوضوح والصدق في التحفظات منذ الآن يوفرعقبات سياسية من المُحتمل أن تواجهنا تكتيكياً ومن الواضح أنها ستواجهنا إستراتيجية كثيرة قد تواجهنا مع هذة القوى. الحالة الفلسطينية في الضفة وغزة تحمل مشهداً مشابهاً، إنما أكثر عنفاً وأكثر حدّة. تيار إسلامي سياسي يحاول خوض الحياة السياسية بقوة ونجاعة وبشكل،فيفعلها بشكل ديمقراطي ونظيف فيكتسح الشارع عبر صناديق الإقتراع. وتيار "علماني" يفقد قوته وهيمنته بشكل رهيب بسبب دخول التيار الإسلامي الى الساحة فيكافََحه بضراوة بحجة التخلف والرجعية والتطرف، ولو كان الكفاح ضد هذا التيار الإسلامي بدعم سياسي أمريكي وإسرائيلي(حيث لا نتحدث عن غير المثبت،إن صح التعبير،من دعم عسكري أو مادّي). في هذا الصراع بين التيارين المذكورين يختفي التيار القومي اليساري ويصبح حلم ليلة صيف. لأنه لم يتخذ موقفاً منذ البداية وأبقى على تشرذمه. ولأنه "يسار" آثر مكاتب الجمعيات على قيمه الحقيقية، وهو جزء من إنحطاط يساري عام يطالب بالديمقراطية الغربية الجاهزة غير المزروعة بأرضية شعبية وإجتماعية وسياسية خصبه، أن تأتية على ظهر دبابة أمريكية. التيار اليساري في الضفة وقطاع غزة سقط أصلاً قبل إشتداد الصراع. إنما قُضي عليه الآن بشكل تام، ومن المفهوم ضمناً أن هذة ليست دعوة لقوى اليسار الفلسطينية أن تشمر عن ذراعها وتدخل النزاع الداخلي المسلح، لا سمح الله. بل هي دعوة للعودة الى المبادئ والقيم اليسارية النضالية الحقيقية والحاسمة.

عندنا نحن، فلسطينيي الداخل، لا يصبغ اليسار باللون الأحمر بتاتاً. والطرح القومي الديمقراطي هو التيار اليساري الحقيقي الوحيد الذي يحافظ على قيمه ومبادئه. وجامعة حيفا، هذة العيّنة الصغيرة، هي خير إثبات على أن هذا التيار مبدئي وقوي فعلاً. لأنه لم يسقط بالرغم من حالة الإستقطاب التي سادت. بين تيار إسلامي سياسي طلابي لا ينفي مؤاخاته للتيار الإسلامي السياسي في الضفة وغزة، وتيار "علماني" شأنه الوحيد الحفاظ على قوته حيث يفتخر بمؤاخاته لتيار بذات المواصفات في الضفة وغزة. فكيف نحمي تيارنا من الإنحدار نحو الهاوية، هل بالتقوقع؟ وهل بالتكاتف مع هذا التيار الذي يُطلق على نفسه العلمانية ككنية لا تمت للحقيقة بصلة بحسب ما عرضناه أعلاه؟

في جامعة حيفا حُسم الأمر. ورفضنا تهميشنا وحيادنا، ورفضنا أيضاً تهميش تيار إسلامي سياسي يمثل شريحة كبيرة من الطلاب. وأخذنا قرارا حاسما من شأنه ان يصد سقوطا مدوٍ. قرارنا هذا ترافق بأكبر قدر من التحفظ الواضح والصريح حول نقاط الإختلاف خاصة بالمنظور الإجتماعي. ثم أن التيار الإسلامي السياسي لم يُعطى حتى الآن فُرصته للعمل السياسي في الجامعة، مقابل تيار أُعطي فرصة 19 عام لم يُقدم بها الحركة الطلابية الفلسطينية في الداخل أي خطوة جدية. فهل نعود بعد كل هذة الأعوام الى دعم ذات التيار ؟!. ثم لماذا لا نعطي التيار الإسلامي فرصته حيث إستطعنا كتيار قومي أن نتوصل معه الى أجندة وبرنامج يحمي الديمقراطية والعدالة الإجتماعية والتنور والحداثه الإجتماعية دون خضوع تيارنا ودون إخضاع الطلاب العرب لهيمنة الخطاب الإسلامي. لقد تم التوصل مع حركة "إقرأ" لإتفاق يحمي كل تطلعاتنا القومية والوطنية والإجتماعية يحيث لا يتناقض جذرياً مع خطوط "إقرأ" الحمراء. أما حول "الكرسيولوجيا" المزعومة من قبل بعض الكتّاب والحزبيين الجبهويين الذين لا بد لهم بعد سلسلة مواقفهم وتصريحاتهم الأخيرة من دفن رؤوسهم بالرمال خجلاً من حركة وطنية تواجه واحدة من أشرس الهجمات السياسية في تاريخ فلسطينيي الداخل، في حين تُطعن بالظهر من قِبل هؤلاء المتأسرلين، منذ صفقة الأسلحة التشيكية مروراً بالإحتفال بيوم إستقلال إسرائيل وحتى المطالبة بإنخراط الصهاينة في صفوف حزبهم، فعلينا أن نجزم أن تقسيم المناصب تم بشكل مُنصف حيث أن "إقرأ" تتغلب على التجمع بعدد المقاعد في لجنة الطلاب فتستلم هي منصب رئاسته، والتجمع يتغلب على إقرأ بعدد المقاعد في الإتحاد القطري فيتسلم هو رئاسته. إئتلافنا مع حركة "إقرأ" هو أولاً على الصعيد المبدأي تجسيد لمبادئ نؤمن بها، حيث نُفسح المجال للقوى الإسلامية المشاركة في اللعبة الديمقراطية لنكن شركاء في دفعها نحو توجه أكثر ليونه وإنفتاح وعدم تهميشها لأنها جزء لا يتجزء من شعبنا خاصةً وأن هذة الحركة أثبتت إستعدادها لهذا التوجه حيث خاضت معركة إنتخابية نزيهة وديمقراطية من الدرجة الأولى فلماذا التعامل مع كل تيار إسلامي على أنه "القاعدة" أو "طالبان". وثانياً هذا الإئتلاف هو الطريق لنخرج من هذة المعركة الإنتخابية بقوة ونجهز أنفسنا للعمل لكي ندخل للمعركة المقبلة كحركة طلابية قومية ديمقراطية أثبتت جدارتها بعملها الدؤوب بين الطلاب. وكحاملة خطاب يرفض أي إعتبار طائفي، يفرض نفسه بقوة وحزم ليهمّش أي خطاب طائفي موجود.


(حيفا)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018