سحب المبادرة العربية والعودة إلى المواقف السابقة../ حسن عبد الحليم

سحب المبادرة العربية والعودة إلى المواقف السابقة../ حسن عبد الحليم

أنهى الوزيران العربيان المكلفان من جامعة الدول العربية بعرض مبادرة السلام العربية على الإسرائيليين بشكل رسمي زيارتهما إلى البلاد، دون الحصول على جواب قاطع بقبول المبادرة أو رفضها، وسبق الزيارة تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تشير إلى نيته اعتماد مسار المفاوضات الثنائية مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، حول "الأفق السياسي" والخطوط العامة لدولة فلسطينية، مع إرجاء التباحث في القضايا الرئيسية، في محاولة لتحييد المبادرة العربية دون رفضها بشكل قاطع؛ وكذلك تحييد دور مبعوث الرباعية الجديد للشرق الأوسط طوني بلير الذي ترى الحكومة الإسرائيلية أن مهمته تقتصر على مساعدة الجانب الفلسطيني في بناء مؤسساته استعدادا للمفاوضات الثنائية المباشرة دون تدخل خارجي.

وفي نفس الوقت تلعب إسرائيل لعبة قذرة لتعميق الشقاق بين الفلسطينيين، وهي للأسف تجد من يتناغم معها في الجانب الفلسطيني، رغم إدراك من يراهنون على نوايا الحكومة الإٍسرائيلية الحالية أنها لن تمنحهم إلا سرابا، وتريد تنصيبهم وكلاء للاحتلال لتصفية النهج المقاوم؛ وتدعيم نهج التسوية الذي لن يفضي إلا إلى تكريس الاحتلال بأدوات فلسطينية. هذا بالتزامن مع مواصلة الاحتلال لعمليات الاغتيال والاعتقال بمعدل 27 عملية يومية كما جاء في تقرير نشر يوم أمس في موقع عرب48. وبلغ الوهم بالقيادة الفلسطينية إلى درجة اعتبار تحليل يعتمد على تقييمات وتقديرات صحفي في هآرتس، نشر يوم أول أمس، موقفا إسرائيليا، بل وأن يعقب رئيس السلطة محمود عباس على ما جاء فيه بشيء من الرضى، وأن تقتبسه كثير من المواقع والصحف الداعمة للتسوية على أنه خطة إسرائيلية، بهدف تدعيم مواقف دعاة التسوية وإظهار الأمر كأنه إنجاز لهم ولنهجهم، رغم أن الكاتب الإسرائيلي ألوف بن استهل استعراضه لتقييماته بالجملة التالية: "يمكن التقدير أن المبادئ التي سيقترحها أولمرت ستكون:" ومن ثم استعرض أربعة بنود اعتبرها الأسس التي سيعتمد عليها أولمرت. والأهم أن ما جاء في تقييمات بن لا يلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وكان الراحل عرفات قد رفض أكثر منها بكثير، معتبرا أن قبول ذلك هو خيانة للقضية وللثورة. هذا إلى جانب توقيت نشر هذا التحليل الذي يعتبر خبيثا فهو بمثابة رسالة إلى ممثلي الجامعة العربية، بأن الأمور تسير بشكل جيد ولا حاجة لمبادراتكم. وهو الموقف الذي عبر عنه أولمرت قبل لقائه مع الممثلين العربيين بالقول إنه لن ينتظر جامعة الدول العربية من أجل دفع العملية السياسية فإن "إسرائيل هي التي تقود وهي التي تبادر".

إلى جانب تحييد المبادرة، تسعى إسرائيل إلى استدراج الدول العربية خاصة السعودية ودول الخليج لإقامة علاقات معها؛ وبرز ذلك في عدة تصريحات لأولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، وربما أشهر تلك التصريحات "التطبيع أولا". أي أن إسرائيل تحاول جني نتائج المبادرة- العلاقات والتطبيع مع العرب- دون استحقاقات منها تتمثل في الانسحاب إلى حدود عام 67 بما فيها القدس وحل مشكلة اللاجئين "حلا عادلا متفقا عليه حسب القرارات الدولية"- كما جاء في نص المبادرة. وانطلاقا من هذا التوجه دعا أولمرت وزيري خارجية مصر والأردن إلى ضم المزيد من وزراء الخارجية العرب إلى اللجنة المكلفة بالاتصال مع الحكومة الإسرائيلية، ويقصد بالتحديد السعودية وبعض دول الخليج. وعبر عن استعداده لمناقشة المبادرة مع مجموعة موسعة من الوزراء العرب على اعتبار أن المبادرة بمثابة وجهة نظر عربية تقابلها وجهة نظر إسرائيلية. ويعني ذلك إخضاع المبادرة للتفاوض وعدم التعامل معها بجدية على أنها رزمة واحدة تؤخذ أو ترد، مما يؤدي بالتالي إلى إفراغها من مضمونها..

تنازل العرب في المبادرة العربية عن 77% من فلسطين التاريخية مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 67% التي تشكل فقط 23% من فلسطين. إلا أن هذه النسبة شهدت تآكلا بنسبة كبيرة في ظل تواصل المد الاستيطاني وبناء جدار العزل، وعزل القدس عن الضفة الغربية عبر طوق استيطاني يجعل التواصل الجغرافي بين القدس والضفة الغربية غير ممكن. ورغم أن الممارسات الصهيونية تواصلت على الأرض لفرض أمر واقع يحول دون قيام دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967، أعاد العرب «تفعيل» المبادرة العربية التي أقرت عام 2002، في قمة الرياض الأخيرة. إلا أن الرؤساء العرب لم يوضحوا ماذا سيكون موقفهم حيال رفض إسرائيل؛ وما هي الخطوات التي ينبغي اتخاذها في هذه الحالة، رغم علمهم المسبق أن الرفض مرجح أكثر من القبول بكثير. كما ولم يلوح العرب بالعودة إلى مواقفهم التي سبقت إقرار المبادرة إذا رُفضت من قبل إسرائيل، أي العودة إلى اعتبار كل فلسطين أراضي محتلة. كما ولم يهدد العرب بقطع العلاقات مع إسرائيل ومقاطعتها في حال تقطعت السبل بالمبادرة.

وبما أن الموقف الإسرائيلي من المبادرة لا يمكن اعتباره إلا رفضا، ينبغي أن تعقد جامعة الدول العربية مؤتمر قمة كالذي أقرت فيه المبادرة؛ لإعلان سحب تلك المبادرة والعودة إلى المواقف التي كانت قبلها، وهذا هو الأمر الأكثر طبيعية.
وبما أن إسرائيل تغلق الطريق على الأرض أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة في حدود عام 1967، عبر الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة الغربية وعدم وجود تواصل جغرافي بينها وبين قطاع غزة، وترفض عودة اللاجئين إلى منازلهم وقراهم ومدنهم. وبما أن 20% من سكان «إسرائيل» هم فلسطينيون. فأعتقد أنه آن الأوان لطرح حل "دولة ثنائية القومية" في كل فلسطين.. والتمسك به والقيام بكل ما يلزم لتحقيقه.. وعدم انتظار ما سيجود به أولمرت وغيره على عباس لأن أصغر طفل فلسطيني يدرك أن ذلك لا يعول عليه.. ولا مجال للانتظار.. دولة ثنائية القومية على كامل التراب، ربما تكون الطرح المناسب في هذه الظروف..




ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018