مسلسل نور وباب الحارة لماذا وكيف؟ عبد عبد الله أبو العلاء*

مسلسل نور وباب الحارة لماذا وكيف؟ عبد عبد الله أبو العلاء*

لم يكن نجاح مسلسل نور عربيا بالأمر الغريب أو غير المتوقع، وإنما هو حلقة في سلسلة حلقات لبرامج ومسلسلات أريد منها هدف محدد، وظف في سبيله إحدى أقوى وأكبر القنوات الإعلامية على صعيد العالم العربي بكل ما تملك من أحدث الوسائل والتقنيات وأمهر الفنيين والإعلاميين ورأس المال.

باب الحارة ونجاح مسلسل نور

لقي مسلسل باب الحارة بجزأيه نجاحا منقطع النظير، وحصد كما هائلا من المشاهدين على جميع الفضائيات والمواقع الالكترونية حتى أصبحت شخصيات المسلسل على اختلافها رموزا، وقدوه لكل متابع وفقا لفهمه وثقافته وتربيته وجيله، وشاع اسم باب الحارة فأطلق على الكثير من المصالح التجارية كاسم له صداه، وسلعه تجاريه طبعت على الملابس البوسترات واللافتات وكانت كفيلة بتحقيق أرباح هائلة.

مسلسل باب الحارة دراما سوريا ناجحة دخلت القلوب وأرضت الثقافة العربية والإسلامية بما حملت من مضامين، ولكن ليس باب الحارة هو المقصود في هذا المقال، وإنما تحدثنا عنه لأنه تم توظيفه في مخطط محطة "أم بي سي" لتفرض علينا بعد ذلك مسلسل نور، فكان الطعم.

وعلى مدار عامين متواصلين عرض مسلسل باب الحارة الذي اعتاده المشاهد العربي بلهجته السورية التي أصبحت محببة ومألوفة متزامنة مع عرض أعمال سورية أخرى في نفس الفترة المذكورة. طبعا هذا الكلام ما كان اعتباطا، فقد تم توظيف المسلسل لتحضير المناخ والأرضية لعرض مسلسل نور باللهجة السورية، إذ أن الدبلجة السورية تقع في المرتبة الثالثة أو الرابعة، وتتفوق عليها الدبلجة اللبنانية رائدة هذا العمل، والتي أدخلته قبل ما يزيد عن أربعين عاما، حيث أن نقولا أبو سامح الممثل والمخرج والمنتج المعروف قام من خلال شركته "فيلملي" بدبلجة كم هائل من أفلام الكرتون مثل مغامرات السند باد، ريمي، زينه ونحول، النسر الذهبي، ساسوكي، البوكيمون، إلا أن أحدا لم ينتبه في حينه لنتيجة وخطر هذه الأعمال القادمة إلينا من اليابان.

وفي سنه 1985 بدا أبو سامح بدبلجة الأعمال المكسيكية والبرازيلية التي وصلت أوجها في التسعينيات فأنتج 11 مسلسلا منها انطونيلا، لوبي، جودا، والمستبد، الأمر الذي أغرى الفضائيات العربية التي راحت تتنافس على نقل هذه المسلسلات فأنشأت عدة استوديوهات في دول الخليج، مصر، سوريا، الأردن، لدبلجة المزيد من هذه الأعمال لذلك أدى نجاح باب الحارة إلى تمهيد الطريق أمام مسلسل نور باللهجة السورية التي اعتادها المواطن العربي، لا بل أحبها وأصبحت موسيقى يتمتع بسماعها وأصوات الممثلين محببة على قلبه ومألوفة لسماعه.

الدبلجة تعريف وتاريخ

نشأت الدبلجة في أوروبا من أجل إنشاء تقارب بين الثقافات والشعوب الأوروبية ومد الجسور بين الدول وتضييق هوة النقاش الثقافي القائم بينها في سبيل تحقيق الحلم الأوروبي الذي أصبح واقعا فيما بعد بالسوق الأوروبي المشترك.

الدبلجة: مصطلح تلفزيوني من الأصل الفرنسي دوبلاج، والدبلجة هي الترجمة الصوتية تتم في الأستوديو حيث تعرض المادة المصورة ويقوم الممثلون بتأدية الأدوار لمطابقتها على النص المصور، وعلى المترجم أن يكون دقيقا في اختيار الكلمات والمقاطع القصيرة حتى يتطابق الصوت مع حركة الشفاه والتعابير والحركات في المقطع المدبلج بمعنى أخر إلصاق الأصوات الجديدة على مشاهد المسلسل المدبلج.

انتشر هذا العمل وازدهر في العالم العربي لأن الدبلجة أمر سياسي في توجهاته الخاصة، إضافة لذلك تكلفتها الرخيصة مقارنة مع الأعمال العربية إذ تصل كلفة الحلقة الواحدة مبلغ ثلاثة آلاف دولار، و تلقى رواجا كبيرا نتيجة الخواء الروحي الذي يعيشه المواطن في العالم العربي.

ولا يفوتني التنويه أن أخطر المسلسلات المدبلجة هي التركية والاندونيسية، لأنها تحمل الثقافة الإسلامية حضاريا ودينيا مع ما امتزج بها من أفكار وعادات فرضت على هذين الشعبين خلال القرن الماضي.
كذلك يعيب النقاد على الدبلجة السورية أنها لا تلتزم بالأصل، لكن هذا الأمر لا يهم إل "أم بي سي" وهي تقدم مشروعها مسلسل نور لان الخطة مرسومة بشكل دقيق.

أخطار الدبلجة مع أمثلة من مسلسل نور

لقد ألزمت نفسي تحمل مشاهدة بعض حلقات المسلسل في سبيل أن أكون واقعيا وعلميا في طرحي ولا أدع مجالا للشك أو التخمين، وحتى أضع أمام القراء معطيات حقيقية، علها تخرج من هذا الجنون المدمر وتنقذ من الكابوس المسيطر.

ليس في مسلسل نور قصة أو قضية تعالج، وإنما هو أشبه بعرض مذكرات ليس إلا، إذ ليس فيه رسالة تربوية أو فكرة حضارية اللهم إلا الأغراض والأحداث المرجوة من أخطار الدبلجة وسنعرضها هنا بشيء من التفصيل.

إن عرض مسلسل كمسلسل نور على مدار ثلاثة أشهر أو تزيد كفيلة بخلق الألفة والصحبة والعادة لمشاهدة هذا المسلسل بكل ما فيه من: شخصيات، تصرفات، أماكن ومناظر طبيعيه، فكل هذه المعطيات تدخل المشاهد وتجذبه إلى عالم أخر بعيدا عن واقعه وحياته حيث لا يجني في نهاية المطاف إلا إضاعة الوقت سدى، والعيش في الخيال. فاستمرار عرض المسلسل بهذا الكم والفترة الزمنية جعل من شخصية مهند (اللوطي) شخصية محببة عند مراهقين، لا بل قدوة ومثالا في الشكل والتصرف وطريقة تسريحة الشعر وإطلاق اللحية وما شابه، وهو في حياة مراهقات فارس أحلام يجسد مواصفات زوج المستقبل، وان كانت متزوجة راحت تطلب من زوجها أن يكون صورة لمهند، أو أن يطلب متزوج من زوجته أن تكون صورة لنور.

يقدم مسلسل نور مؤسسة الزواج على أنها هامشية يمكن استبدالها بصداقة وإقامة علاقات محرمة، مثلا العلاقة قبل الزواج بين (دانا وأنور وقضية الحمل) و( بانا وكام) الأمر الخطير الذي يهدد كيان المجتمع ويبعث فيه الفوضى ويحطم الروابط (زوج شريفة تركها وذهب.. مهند ينجب طفلا من نهال بلا زواج). كان المسلسل يدعو لحالة انفلات غرائزي دون حسيب أو رقيب حتى أن المرأة التي تسمى شريفة، وهي جدة ولا زالت على ذمة رجل، لتحب وتتصرف كالمراهقين في علاقتها (المحامي جيهان) أو المرأة الراشدة (ميسون) التي تعرف( وليد) وهي لا زالت (زوجه لطارق)، وتتزوج من وليد بعد طلاقها دون علم أهلها وأخبرتهم لاحقا، وفي المحصلة الروابط هي علاقات محرمة تنتهي بالزواج بعد الحمل أي إننا نتحدث عن جيل من علاقات غير شرعية.

قد يحاول البعض التقليل من شأن خطر هذا المسلسل وأمثاله من أعمال الدبلجة، وتصويرها بأنها مجرد عمل فني يستمتع به، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، إذ أن نسبة الطلاق في العالم العربي ارتفعت بشكل ملحوظ، إضافة للمشاكل الاجتماعية الناتجة عن إدمان أمهات وزوجات ومراهقين مشاهدة هذه المسلسلات التي تضع السم في الدسم، وتحمل في حقيقتها مشروعا تدميريا كاملا تعطي شرعيه للانتقام، تميع الأخلاق وتغير القيم والمعايير بفكر دخيل أبعد ما يكون عن حضارتنا وثقافتنا. ولتلخيص بعض هذه الأخطار حتى لا تغيب عن الأذهان بعد استعراض نماذج من المسلسل بشكل سريع نعرضها كما يلي:

نقل ثقافة وأفكار هدامة كفيلة بضياع الهوية والانتماء.
إغراق في الرومانسية والأحلام والخيال من أجل جذب المشاهدين وإضاعة الوقت سدى.
إعطاء شرعيه للانتقام وشريعة الغاب وتصوير الحياة بأنها تقوم على الحظ.
إعطاء قدوه سيئة للمراهقين والأطفال خصوصا من خلال عرض المسلسل على فترات زمنيه طويلة وبناء شخصياتهم من خلال نماذج غريبة.
الاستهانة بمؤسسة الزواج والروابط الأسرية.
التعامل مع قضايا خطيرة كالطلاق والإجهاض بهذه السطحية وهذا الاستهتار دون تقدير مسؤوليات وتبعات الأمر.
الدعوة للتسيب الجنسي وانفلات الغرائز لتصويرهم الحياة قائمة على إمتاع الإنسان نفسه وإشباع غرائزه دون حسيب أو رقيب وكأنه هم الإنسان الأول والأخير وشغله الشاغل.

هذا ولم تزل هذه الأعمال وسيلة من وسائل الغزو الفكري يمارس على الأمة منذ رحيل الاستعمار عسكريا من المنطقة وتسليم القيادات للحكام العرب، فتبدأ مرحلة جديدة بأساليب حديثة تتناسب مع تطور الزمان وحقوق الإنسان والمحافل الدولية والعولمة وزمن القرية الواحدة والشبكة العنكبوتية.