حان وقت إغلاق الحارة وبابها../ أحمد علي المصطفى

حان وقت إغلاق الحارة وبابها../  أحمد علي المصطفى

عندما كتبت مادة منذ حوالي عشرة أيام خلت، وكانت تتعلق بالمسلسل المحلي الشامي باب الحارة الجزء الثالث ( حتى الآن ) والذي ما يزال يعرض منذ بداية شهر رمضان المبارك على قناة ( إم بي سي ) الأولى الفضائية، كان قد مضى من حلقاته نصفها تقريبا، لوحظ حينها ما يشبه الإجماع التوافقي على مسألة عادلة ونتيجة منطقية عنوانها الرئيس هو (فشل هذا الجزء فشلا ذريعا )، غير أن قلة بل لنقل " ندرة " ممن شاركوا بإبداء الرأي والتعليق على المادة استغربوا إطلاقي هكذا حكم قبل نهاية العمل ككل، معتبرين أنه من الإجحاف بمكان، ومن غير الإنصاف أن أحكم على نصف المساحة دون مشاهدة النصف الآخر منها، فإذا لم يحظ أحد بمشاهدة الجانب المظلم من القمر، فقد سنحت له الفرصة لمشاهدة الجانب المتيسِّر منه، فجاء المنير منه عنوانا للعتمة، وكما يقال في أسهل العبر: ( المكتوب مبيِّـن من عنوانه )، فكيف والعنوان اخترق المنتصف ليقترب من النهاية، والذي وعدنا بانتظاره رأينا ترجمته تجلت في ملل أعظم وحشو مفضوح وسيناريو سقيم هش لا روح فيه، وإطالة معيبة تبدى من رأسها طلع شياطين المادة وما يفسد من رائحة البنكنوت، حتى أن بعضهم اتهمني بأنني مدفوع ومأجور من جهة إنتاجية منافسة غايتها الإساءة إلى صورة العمل، مع العلم بأن هذه الصورة لا تحتاج لقلمي أو نقدي الموضوعي هنا، فهي قد خرجت كليلة ركيكة عليلة بذاتها، قد اقتربت من النزع الأخير وأظنها بلغت التراق، وبعضهم من قال بانتسابي إلى حزب عباس النوري ومعاداتي للمخرج والكاتب، وأنا لم أهاجم شخص المخرج ولا الكاتب بأي حال، بل أعترف لبسام الملا كمخرج بتمكنه من أدواته ( كحرفة ) بغض النظر عن المادة المقدمة، لكن أعيب عليه قبوله لنص ميت شوه المكاسب الأولى لجزئي العمل الأول والثاني لأسباب لم تعد خافية على أريب ولا حصيف، فأغلب المتابعين لهذا الجزء الأخير ( وأنا منهم بالطبع ) باتوا يسخرون من كمّ الحشو العجيب وأساليب الإطالة المكشوفة، ومن كان يطلب منا انتظار النهاية ليس لنا إلا أن نقول له: لا تغيّر قيمة تابوت من خشب الصندل حقيقة وظيفته في ضم جثة ميت!

فكل الحلقات التي مضت لن تجمّـلها وتحسّنها نهاية خارقة مهما بلغت من التشويق. فالناس عندما تشاهد شريطا سينمائيا يمضى من وقته نصف ساعة بلا أحداث تقدم متعة الفرجة، تجدهم وقد حكموا عليه بالسقوط، فكيف بعمل شارف على النهاية وهو مستمسك وقابض على أسباب موته ؟

خمس وعشرون حلقة مضت وما نزال نسمع عبارات يجترها سكان الحارة في تهديدهم ووعيدهم لبعضهم البعض ولا نشاهد سوى نسخا باهتة يومية متبادلة، فهذا رئيس المخفر أبو جودت يرغي ويزبد قائلا: ( ماشي يا نوري )، وهذه فريال خانوم تقول: ( ماشي يا سعاد )، وهذه سعاد خانوم تقول: ( ماشي يا فريال)، وهذا أبو غالب يقول للمرة المليون بعد البليون: ( ماشي يا حارة الضبع، دواكن عندي )، وهذا أبو شهاب يقول: ( ماشي يا أبو جودت )، وعبده الذي ابتلاه الكاتب والمخرج بحرمانه من الأنثى، ومنعوه الزواج ليعاني بألم وشكوى يبثها لحارس الحارة يوميا، أيضا لا يخلو من استعمال ( ماشي يا أبو غالب )، ولعلنا نراه في آخر حلقات العمل وهو يقول: ماشي يا مخرج ويا كاتب ( هيك ما جوزتوني ؟ رح عيش عزابي كل عمري بسببكن، ما في كلام ! ).

وسينتهي الجزء الثالث ويأتي بعده الرابع والخامس والتاسع بعد المئة وأم حاتم ( صباح بركات ) ما تزال ترتدي ثوب المنزل نفسه، وهي راقدة في سريرها وحامل في الشهر الألف، ولن يأتي الولد حتى اليوبيل الذهبي ومرور نصف قرن على العمل.

سينتهي هذا الجزء الثالث الممل وتزداد الحسبة لترتفع الإحصاءات، بعد أن قتل المخرج والكاتب أبا عصام وأم خاطر وأبو إبراهيم والزعيم وصطيف والإدعشري، إلى 36 قتيل و 79 سفرة فطور و 264 سفرة غداء و 97 سفرة عشاء، و265 مشادة بين سعاد وفريال، ولطفية وهدى، واستعمال كمية كبيرة من اللعنات والشتائم النسوانية زادت عن 119 مسبّـة توزعت على الشكل التالي: ( انشالله حمى تسفئك ) ( تتحورئي ) ( انشالله داء السل ) ( انشالله داء النئرزان ) ( ينكتوا كرارك ) ( شي يحر مصارينك ) ومفردات أخرى متوسطة المدى أتركها لحين ميسرة.

هذا الجزء الذي لم يقدم لنا سوى صورة شاذة عن المزاج العدواني بين سكان حارات الشام، والخزين من العنف الحاراتي المتبادل الذي يتفجر كشرارة تشعل هشيم. فمعارك الكراهية والمنفخة والفخر الكاذب والعنتريات التي دارت رحاها بين قاطني تلك الحارات الشامية بعضهم البعض قد فاقت بشكل مهين ما كان حريا بالكاتب والمخرج أن يقدمانه ضد المستعمر الأجنبي الذي لم نتحسس آثار جرائمه المباشرة في تلك الحارات إلا بشكل خجول لا يتعدى منظرا أوحد لم يتعب المخرج نفسه بتصويره، وهو مجموعة من الأشجار يجلس تحتها بعض الرجال، يستلمون السلاح ويعيدون الحوار ذاته الذي بات المشاهد يتوقعه ويحفظه قبل أن ينطق به هؤلاء، غايته الإطالة فقط لا غير.

ثم نلاحظ أن المخرج قد قرر أن يرفع ( فلقة ) لكل أهل الحارة بالدور. والحجة هنا هي استعلام فجائي عن أسباب مقتل الإدعشري في جزء سابق. وربما نشاهد في الجزء الرابع بأن دور الفلقة قد وصل إلى كادر التصوير والصوت والإضاءة والديكور، وكل من سولت وتسول له نفسه المشاركة في هذا العمل الملحمي اللامتناهي بعد أن قضي بالموت على أغلب الممثلين في الأجزاء المتوالدة المستنسخة.

وأستغرب حوارا حدث في محيط العام 1925م يقول فيه العكيد ( أبو شهاب ) في رده على نوري ومهددا لرئيس المخفر (أبو جودت ) العبارة التالية: ( ترا إذا ضل هيك عم يتصرف أبو جودت بيكون عم يلعب بعداد عمره )، وكأن عداد السيارات التنازلي أو التصاعدي كان مستخدما في تلك البيئة والفترة الزمنية ليتحول إلى استعارة أو كناية يلتقطها العكيد البطل، والذي اختاروا له زوجة لا تحسن اللهجة الشامية بدقة، وتبدو في الحقيقة أكبر منه سنا، بل وأكبر سنا من أمها أم حاتم ( صباح بركات ) وأقصد بالطبع زوجته في المسلسل والتي هي ابنة أبو حاتم شريفة ( جومانة مراد ).

إن الثغرات كثيرة والأخطاء تراكمت وحولت العمل إلى مسخ هجين سلخت منه متعة الفرجة. أقول هنا : أين هذا العمل المسلوق من أعمال رائعة خلت ومضت، كانت قد قدمت لنا البيئة السورية عموما والشامية خصوصا لبسام الملا نفسه ؟ فهل يستطيع أي ناقد منصف أن يساوي بين هذا الجزء الثالث من باب الحارة وبين أعمال باهرة مثل الخوالي، أو ليالي الصالحية، أو أيام شامية، أو الجزء الأول وحتى الثاني من باب الحارة ؟ لا، لا مساواة على الإطلاق، بل ولا مجال هنا لأي مقارنة تذكر، أتمنى وبكل الصدق والمحبة أن لا يتكرر هذا الخطأ الكبير، وأن يتم تصحيح هذا الزلل وتلك الكبوة بأعمال قادمة أكثر نضجا، تستفيد من الخبرة التراكمية الدرامية السورية التي باتت كرصيد وثروة لا يفترض بنا أن نبددها لأسباب تجارية بحتة تـُـذهـِب باللاهثين خلفها إلى زوايا الإخفاق وأقبية النكوص وسراديب التردِّي.

والقائل الذي قد يستفسر مني كيف واكبت على مشاهدة هذا العمل على فشله أقول له: إن لم أتابع، فكيف أحكم ؟ هي همسة محبة ونصيحة صدق أمررها للقائمين على هذا المشروع: ( توقفوا إلى هنا وحسبكم ) فقد حان وقت إغلاق الحارة وبابها، وامنعوا تناسل الأجزاء فكأس الماء لا يذيب ما يزيد من السكر بعد الإشباع..
"شام برس"