ارحمونا؛ خطب وأعراس وأعياد ميلاد وزواج وحفلات تخرج../ راسم عبيدات*

ارحمونا؛ خطب وأعراس وأعياد ميلاد وزواج وحفلات تخرج../ راسم عبيدات*

المشجب أو الشماعة التي نعلق عليها كل أخطائنا ومصائبنا جاهزة.. الاحتلال هو السبب، أوسلو هو السبب، العولمة وما أحدثته من ثورة معلوماتية وتكنولوجية وعدم قدرتنا أو جهوزيتنا لها أو القدرة على محاصرة تداعياتها السلبية على قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا هي السبب أيضا..

والسبب بالأساس يكمن في "ثقافة" وعادات المباهاة والفشخرة والنرجسية وحب الذات الإيمان والقناعة بالشيء إذا ما توافق مع رغباتنا وخدم مصالحنا، وإذا ما تعارض ذلك معها فنحن من أشد المعادين لها، ومستعدون لهدم المعبد على غرار نيرون على رؤوسنا ورؤوس غيرنا.

فالديمقراطية حق ومبدأ نؤمن به وندافع عنه شريطة أن لا يمس مراكزنا ولا مواقعنا، وإذا مسها فلتذهب هذه الديمقراطية إلى الجحيم.. وكم من الأحزاب العربية والفلسطينية انشقت وانقسمت وانشطرت تحت يافطة غياب الديمقراطية في أحزابها، لكي نكتشف لاحقاً أن الشعارات التي رفعت لتبرير الانقسام والانشقاق لم تكن إلا يافطات تخفي خلفها مصالح وأهداف شخصية.

وفي الجانب القيمي والأخلاقي فالمجتمعات العربية عموماً، ورغم ما تظهر أو تبدو عليه من مظاهر خادعة قوة وترابط وتماسك الأسرة والعادات والتقاليد الاجتماعية وقيم التعاضد والتسامح والتكافل وغيرها، فهي في العمق تكشف عن أزمات اجتماعية عميقة وتحكمها قضايا النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير وسلوك "الفشخرة والتباهي" وحب الظهور" وحتى كما يقول المأثور الشعبي"الكبرة على خازوق"..

وهذا لا يعني بالمطلق عدم الرغبة أو المحبة للناس أن يفرحوا ويحتفلوا، ولكن ما نشهده اليوم حالة تصل حد "الهستيريا" والابتذال والتسفيه والخروج عن المألوف، وبما يخلق حالة من البلبلة والململة الواسعتين من هذه المناسبات وما يرافقها من مظاهر"فشخرة واستعراض" وتكاليف ومصاريف لو استثمرت أو صرفت في مكانها الصحيح ربما أحدثت تغيرات وتطورات في واقعنا وقيمنا وسلوكنا الاجتماعي، والذي هو نتاج ثقافة وتربية ووعي اجتماعي مشوه.

ففي ظل المتغيرات والتطورات التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، والتي تخترقها قيم وثقافة العولمة من القمة حتى القاع، وجدنا أن أزماتنا المجتمعية والاجتماعية تتفاقم في ظل غياب التحصين الثقافي والاجتماعي ضد هذه الغزوة وغياب المؤسسات والأحزاب والقوى التي تلعب دور الراعي والموجه والحامي والمدافع ل وعن هذه القيم.

فعلى سبيل المثال لا الحصر منذ أصبحنا نقيم مناسباتنا الاجتماعية وبالذات منها الخطب والأعراس في القاعات بدل البيوت والساحات واستبدلنا الدبكة الشعبية والسامر بالفرق الموسيقية الغربية على مختلف أشكالها ومسمياتها، وأصبحت "كروت" بطاقات أعراسنا أشبه بالبيان والتعاميم الداخلية مع مقدمة غزلية شبيهة بغزليات عمر بن أبي ربيعة، والبيان يحدثك عن يوم السهرة للرجال في بيت العريس، ويوم الجلوة والحناء والشمع في بيت العروس، وموعد الغداء في قاعة على الأغلب خلف "المحاسيم – الحواجز" العسكرية والجدران لساكني القدس، وموعد العرس والقاعة التي يقام فيها، وأماكن التجمع ونقاطها.

وطبعاً هنا تصبح حفلة العرس حفلات والمصاريف مضاعفة، وحتى تتحدث أهل البلد والأوساط الاجتماعية والأهل والأقارب عن فشخرتنا وكرمنا الحاتمي نعزم ونوجه الدعوات لأكبر عدد من المدعوين، ونحرص على دعوة ما يسمى بعالية القوم والمجتمع المخملي ونذبح عشرات رؤوس الأغنام والخراف، خفية عن منظمات الرفق بالحيوان وممثلة الإغراء الإيطالية "بريجيت باردو" وبما يصل إلى طن أو طنين من اللحم، عدا المئات من كيلوات الفواكه المعتبرة والحلويات من الصنف الأول، ولا ننسى القهوة السادة..

وفي زفة العريس نغلق الطرق ونطلق "الزوامير" وان كنا خارج سلطة الاحتلال المباشرة نطلق الرصاص بغزارة تعبيرا عن فرحتنا.. أما إذا كنا تحت سلطة الاحتلال المباشرة، فعلينا أن نطلق آخر صرعات "الفتاش والمفرقعات"، ونستمر في السهرة ولكي يكون فرحنا وحفلنا مشهود حتى ساعات الفجر الأولى، ونضرب بيد من حديد على كل من يحاول أن يمنعنا من مواصلة السهر من الأهل والجيران حتى الصباح بحجة عدم إزعاج الآخرين من كبار السن والأطفال ومن لديهم أشغال وأعمال في الصباح وبحاجة للنوم والراحة.. أما إذا كان الفرح والسهر قريب من سكن إسرائيليين، فنلتزم بكل التعليمات والأوامر.

والمأساة هنا يا أخوان أن العريس وأهله ليس فقط يثقلون بالمصاريف، بل الكثير من المدعوين يضطرون للاستدانة لتلبية احتياجات العرس أو تحت طائل طلبات نسائهم، واللواتي يجب أن يكنّ على آخر موضة، وحتى لا يقولوا أن زوجة فلان أو علان أو بنته لم تكن "مودرن"، ناهيك عن ما تراكمه الأعراس من ديون ومصاريف ليس لها مبرر، بل وتخلق الكثير من المشاكل والخلافات الاجتماعية داخل الأسر والعائلات، وأضحى "النقوط" ليس نوعا من المساعدة والدعم للعريس، بل شكل من أشكال الدين على طريقة الفائدة المركبة، "أنا بنقطك 200 شيكل وفي عرس ابني أو عرسي بترجعها 400 شيكل"، وهكذا دواليك.. والمصيبة الكبرى ليس في المبلغ المضاعف، بل من أخذ نقوط في عرس، ودعي إلى عرس من "نقّطه" ولم يحضر.. هنا الطامة الكبرى، فعدا عن نعته بأقبح وأوسخ ما في قاموس اللغة من ألقاب وصفات، هناك من لا يخجل من طلبه بأن يسدد إليه قيمة النقوط وبالفائدة.

أي تعاضد وتكافل اجتماعي هذا؟ وأية علاقة محبة وتعاون تلك؟
ومسألة الانهيار القيمي والمجتمعي ليست وقفاً على الأعراس وما تحمله من تكاليف ومصاريف وحفلات بذخ كافية لإطعام قطاع غزة بأكمله، بل امتدت إلى قطاعات أخرى، ولم تعد المسألة مقتصرة على تقديم التهاني والمباركات على "حبة حلو" أو علبة شوكولاته، بل أصبح من ي/تنجح في امتحان الشهادة الثانوية العامة، يقيم حفلة ساهرة في القاعة وفرقة موسيقية ويدعو الأصدقاء، ناهيك عن إعلانات التهنئة في الصحف والتلفزيونات، والتي تشهد حالة من الردة المقيتة حيث أصبحت مجالس العائلات على غرار مجالس الصحوات في العراق، تنشر إعلانات التهنئة لأبنائها الناجحين/ات، هذا الدور الذي كانت تقوم به الأطر الطلابية والقوى الحزبية، عندما كانت الحركة الوطنية في عزها وعنفوانها، هذه حالة تبشر بمدى الخراب في المجتمع والذي يتفكك وينسحب نحو العشائرية والجهوية والقبلية.

ومسألة الحفلات والبذخ ليست مقتصرة على مناسبة دون أخرى، ولا تقتصر على شهر دون آخر، بل أضحت على مدار العام، وعلى البنوك أن تضيف إلى قائمة خدماتها بند قرض لتغطية نفقات المناسبات الاجتماعية من خطب وأعراس وأعياد ميلاد وزواج وحفلات تخرج مدرسية وجامعية ومناسبات الحج والعمرة وعزائم وولائم رمضانية.....الخ.

ورغم كل الذي يحدث لا أحد يبادر ويعلق الجرس.. لا سلطة ولا أحزاب ولا مؤسسات دينية ولا مؤسسات أهلية ومجتمعية، وفي الوقت الذي تغيب فيه المرجعيات والعناوين، فنحن لسنا بحاجة لميثاق شرف وطني، بل ميثاق شرف اجتماعي، هذا إن بقي هناك من يحترم هذه المواثيق أو يلتزم فيها ، فالأزمة عميقة وشاملة وبحاجة إلى جهد نوعي والى وسائل وأدوات وآليات تختلف عن كل الأدوات والوسائل القديمة، ونحن في هذا الجانب بحاجة إلى "كي الوعي" حتى نثوب ونعود إلى رشدنا،لأن حجم الخراب والدمار في هذه الجوانب أعمق وأشمل مما نتصور.