مر الكلام: مسابقة نوفل وبوش..

مر الكلام: مسابقة نوفل وبوش..

رفعاً لكل التباس نقول منذ البداية إن "نوفل" و "بوش" حماران مغربيان أصيلان. لا علاقة لهما بتاتاً بحروب العرب القديمة و الحديثة، و لا علاقة لهما أيضا بحروب "بوش" الأب و لا بحروب "بوش" الإبن.

كل ما في الأمر أن "نوفل" فاز بمسابقة جَمَال الحمير التي نظمت مؤخرا بإحدى المدن المغربية. أما "بوش" فهو حمار سيء الحظ شارك في المسابقة و أخفق حسب ما نقله الزملاء في الصحف الوطنية.

ليست لي معرفة كافية بعالم الحمير لكي أناقش قرارات لجنة التحكيم. و لست أعلم فعلاً ما إذا كان "نوفل" أجمل حمير المغرب على الإطلاق، و لا ما إذا كان "بوش" أسوأ حميرنا. فالحمير المغربية ـ و الحمد لله! ـ أكثر من أن تحصى، و هي تحظى بسمعة طيبة لدى دول الجوار الأوروبي. و لا أدل على ذلك من استيراد جارتنا الشمالية، إسبانيا، لأزيد من ستة آلاف حمار مغربي.

بينما يفشل "المسؤولون" عن قطاع الفلاحة في الاستجابة لمعايير السوق الأوروبية الخاصة بجودة العديد من المنتوجات الفلاحية المغربية، تتمكن الحمير المغربية، بخصالها الحميدة المتمثلة في الصبر و قوة التحمل، من الحصول على ثقة جيراننا الإسبان و تدخل فضاء شينغن من بابه الواسع. و ربما تشكل مسابقة "أجمل حمار" التي نظمت مؤخرا شكلا من أشكال الترويج لفضائل الحمار المغربي التي لا تعد و لا تحصى. و للذين لا يعلمون فحميرنا تلعب دورا كبيرا في التوازن الاجتماعي، و في الاقتصاد، داخل أكبر مدن البلاد لا فقط في المجال القروي.

فقبل سنوات قالت بعض الصحف إن في مدينة الدار البيضاء ما يزيد عن خمسة آلاف حمار. و الحمير التي تعيش في الدار البيضاء، أكبر مدن المغرب، تختلف أوضاعها عن تلك التي تعيش في المجال القروي. ذلك أن حمير الدار البيضاء ـ و باقي المدن المغربية ـ مجهزة بعربات. و هو ما يجعلنا أمام أسطول من عربات الحمير يجوب شوارع و أزقة المدن و يصلح لنقل كل شيء جماداً كان أو إنساناً أو حيواناً حتى. و من وراء كل حمار يجر عربة توجد أسرة مغربية تعيش على ظهر حمار. فالحمار المغربي ليس فقط حماراً صبوراً و مثابراً، و إنما هو أيضا حمار مواطن (خلافاً للكثير من المقاولات!) يكدح لكي يؤمن القوت لآلاف الأسر داخل المدن. و هو حمار قابل للتمدن و يمكن أن يسير في الشوارع جنباً إلى جنب مع آخر ما أنتجته صناعة السيارات ليجعل الشارع المغربي، بالفعل، نموذجا ل"الأصالة و المعاصرة"، و لتعايش "الأصيل" و "الدخيل". و فوق ذلك فهو يتميز بكثير من نكران الذات و يقبل أن يقضي ليله في العراء ـ صيفا و شتاء ـ بينما الذين يعيشون من وراء كدحه ينامون تحت السقوف و الأغطية.

رغم كل هذا السجل الإيجابي لا يقبل أي مغربي أن ينعت بأنه "حمار". و من الناس من يرفع الدعاوى أمام القضاء، و ينفق مبالغ محترمة لجرجرة كل من نعته ب"الحمار" أمام المحاكم، بل منهم مَنْ قد يرتكب جريمة بسبب ذلك.

لكنْ، و منذ أن اعتُرف للحمار المغربي بأنه جميل، و نظمت مسابقة وطنية لاختيار أجمل حمار، فقد صار من اللازم إعادة النظر في الحمولة القدحية التي تُلْصَقُ عادةً بوصف "الحمار". فثمة حمار جميل اسمه "نوفل"، و ثمة حمار آخر أقل منه جمالا اسمه "بوش"، و هناك آلاف الحمير التي دخلت إلى إسبانيا بينما لا يستطيع ملايين المغاربة إلى ذلك سبيلا، و هناك آلاف الحمير الأخرى المُواطنة التي تساهم في استقرار آلاف الأسر بالوسط الحضري، و تحل مشاكل النقل بالنسبة لآلاف المواطنين و البضائع.

في ذات الوقت هناك كثير من الكسالى و البيروقراطيين في مختلف المرافق العمومية لا يفعلون أكثر من عرقلة الناس، و التهافت على الرشاوى، و هناك كثير من البرلمانيين الذين لم يرفعوا أصابعهم يوما في جلسات المؤسسة التشريعية، و كثير من "الأبناء المدللين" في رئاسة المجالس المنتخبة، و كثير من الزعماء المزيفين. و كل هؤلاء تنعدم لديهم فضائل الحمار المغربي و كثير منهم لا يتمتع بجمال "نوفل" و لا حتى بوسامة "بوش" (الحمار طبعا!). لكنك لو وصفت بهم أي مغربي لما غضب و لاعتبر ذلك الوصف فألا حسناً و مؤشرا على أنه سيصل إلى حيث وصل هؤلاء، أي ليكون بيروقراطيا كسولا على رأس مرفق عمومي، و مرتشياً، أو برلمانيا نائماً إلا عن قضاء حوائجه، أو رئيس مقاطعة أو جماعة يعانق ثدي المال العام و يدعو لنفسه بعدم الفطام، أو ليكون زعيماً مزيفاً يبيع الخطب و يصنع المزايدات.

لا تمتلك الحمير المغربية، و لربما الحمير في كل بقاع العالم، مثل هذه الثقافة الساقطة. و لم يثبت يوماً أن ضبط حمار متلبسا بالرشوة أو بنهب المال العام أو بالكذب على الناس و تغيير مواقفه مائة وثمانين درجة دفعة واحدة. لذلك لم يعد، في رأيي الخاص، لوصف الحمار أي حمولة قدحية في حق كل مَن ثبت أنه بيروقراطي كسول، أو مرتش، أو برلماني متقاعس، أو رئيس جماعة أو مقاطعة مختلس، أو زعيم مزيف و زائف. و لربما ينبغي أن يتنافس كثيرون في مسابقة لمحاكاة الحمير المغربية تمنح، في ختامها، جائزة "نوفل" أو جائزة "بوش" حسب الاستحقاق.