ألخيانة../ وليد أيوب

ألخيانة../ وليد أيوب

يذكّرني اتهام إيهود أولمرت للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالخيانة، لأنّ الأخير عقد اتفاق حكومة وحدة وطنيّة مع حماس، بذلك الرجل الذي يعنّف امرأته لأنها خانته مرّة في العمر فيما هو يخونها مرّتين في الأسبوع.. ويذكّر، هذا الإتهام، بالوقاحة الإسرائيليّة التي وصلت حدّ أن يزعل رئيس حكومة إسرائيل و "يبوّز" لأنّ أبو مازن لم ينصع لأوامره فأعطى الإسرائيلي إصبعا ويدا وكبدا وقلبا وكلّ ما يمكن واحتفظ بعين ترى إلى ما قد يحلّ بفلسطين جرّاء الإتفاقات المبرمة وحيال التنازلات التي أعطت الإسرائيلي صدر البيت والمطبخ وغرف النوم وأبقت الفلسطيني على "البلكونة" عريانا لا يملك أمر نفسه.

لم يكن سهلا إيجاد خليفة فلسطيني للرئيس الراحل ياسر عرفات الذي أنجز "اتفاق الشجعان"، ولم يكن ممكنا أن يجد الحاوي مثل أبو مازن يعرف بالضبط ما كان سيعمله ياسر عرفات فينفّذه بالتمام والكمال.. ويعرف أولمرت، وتعرف إسرائيل، أنّهما لن يحلما بأن يجدا فلسطينيا "مرنا" مثل أبو مازن بحيث يمكنها الأخذ منه، هكذا يتصوّرون، دون العطاء.. فقد عمتهم غطرستهم وغباؤهم عن رؤية حذق الرئيس الفلسطيني ودهائه.

لكن لحكاية "الخيانة" الفلسطينية لرئيس حكومة إسرائيل مدلولات وأبعادا إسرائيليّة خالصة بما يترتّب عنها من أزمات حكومية طاولت وزراء ومقرّبين من أولمرت بل بلغت حتى أعتاب مكتبه وتنذر بإطاحة خليفة شارون..

فقد نؤكّد أن أولمرت إنما اعتمد القسوة على الرئيس الفلسطيني، وتعمّد أن يظهر بمظهر الرجل الصلب والطرف القويّ الذي يفرض رأيه وهيمنته على الطرف الأضعف، الفلسطيني الذي يعتقده بلا حول ولا قوّة تحول دون إذعانه لأوامر وتعليمات السيّد.

رسم أولمرت وبنى قصورا على خلاف فلسطيني فلسطيني تنفذ منه حكومة إسرائيل إلى مكاسب أخرى.. ولقد تحقّق ذلك في اختلاف بين الإخوة فاستلّت الأسلحة وتواجهت العناصر وسالت دماء وتخندق الحماسي مقابل الفتحاوي، وبدا نذير حرب أهليّة عامّة وطامّة حقيقيّا هلّل له الإسرائيليّون وكبّروا، ورموا في هذا المستنقع الفلسطيني حجرا كلّما مال إلى تهدئة وسكون.

وكان إصباغ صفة المعتدل واللبرالي والمرن وغيرها من المرادفات، أحد أهم الطرق في محاولة حشو الرئيس الفلسطيني بالضغينة على أخيه، المتطرّف الإرهابي الغيبي الذي لا يعترف بوجود إسرائيل، واهتمّ الإسرائيليّون بأن يجعلوا أبو مازن يصدّقهم بأنهم ودودون إليه، وأن يصدّق "حاله" بأنّه بالفعل يحمل الصفات الآنفة.. هكذا نرى إلى ذهن الإسرائيلي الذي يجيء تفتّقه مؤسّسا على سذاجة الآخر وضعفه وقلّة حيلته، وعلى تطاوس وعجرفة الإسرائيلي الذي ينظر كلّ صباح إلى صورته في المرآة فيرى نجما ساطعا وفارسا جبّارا وداهية يلعّب الدنيا على أصابعه.

وهكذا فقد جاء إتفاق مكّة صفعة على وجه أولمرت أذهلته إلى درجة أنه تراجع عن اعتبار أبو مازن طرفا ممكنا للتداول والنقاش ما لم يفلح الرئيس الفلسطيني في فرض اعتراف بإسرائيل على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الوشيكة..

غنيّ عن القول تأكيد ألتماهي المطلق ما بين الموقف الإسرائيلي وبين الموقف في واشنطن الذي نقلته وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى الطرف الفلسطيني وتكلّفت مشقّة السفر لإخبار الفلسطيني، هكذا وجها إلى وجه، بقرار واشنطن فرض عقاب على الفلسطينيين بحجب المساعدات عن السلطة إلى حين اعتراف الحكومة الفلسطينية صاغرة بوجود إسرائيل.. علما أن الطرف "المتزمّت" في الحكومة الفلسطينيّة، حركة حماس، إنما اعترف، عمليّا، بالوجود الإسرائيلي بمجرّد قبوله الإتفاقات السابقة التي وقعتها السلطة، الفتحاوية، مع تل أبيب، وإعلانه الرسميّ التزامه باحترامها.


ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019