أين نتجه من هنا؟ / د. بثينة شعبان(*)

أين نتجه من هنا؟ / د. بثينة شعبان(*)

علّ أهم ما يتميز به عام ألفين وثلاثة هو أنه ترجم شعور الرعب والصدمة الذي انتاب العالم برمته في أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، إلى خوف من المجهول، واختلاط في المفاهيم، وتشويش في القيم، وابتزاز للضعفاء، وإساءة للغة، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان فرز الحق عن باطل يلبس لبوس الحق، والتمييز بين كارثة تحلّ بشعب وبين من يدّعي درء الخطر عن نفسه، واستباق الأحداث لتحقيق مآرب استعمارية واستيطانية، وابادة شعب نتيجة الطمع بالاستيلاء على أرضه ومياهه وتاريخه وتراثه.

وعلّ أخطر ما اعتاد الناس على سماعه، وربما قبوله، هو الأعمال الاستباقية التي تقتل على النوايا، وتعتقل لمجرّد الشبهة، أو الشك في النية، وتسكت عن معتقلين من دون التحقيق بالتهم، وتصنع «الحقائق» التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة، بحيث يحدث انفصام شديد بين ما يجري على أرض الواقع، وبين ما يتمّ تصنيفه باسم ذلك الواقع في أجهزة الإعلام، وذلك من أجل إعماء البصر والبصيرة عما يجري، وتخدير الضمائر والهمم، والتي كانت الرقيب الأشدّ والأهم تاريخياً ضدّ كل من اعتدى على حقوق البشر وكرامتهم.

ومع تسارع الأحداث والخلط المتعمد بين مفاهيم العنف والإرهاب والعدوان والمقاومة، يلجأ الجميع إلى عناوين مجتزأة ومنحازة لا تشرح واقعاً ولا تتسع لزفرات جرحى ولا لطموحات شعب يعاني من الاضطهاد والمهانة والظلم، لا، بل قد لا تتسع، أحياناً، لذكر من قضوا، أو شرح أسباب ما حلّ بهم، ولماذا قضوا بهذا التوقيت وهذه الطريقة.

وكما لخّصت حضارة بلاد الرافدين المسيرة الإنسانية بإنجازاتها وتوجهاتها، ها هي تلخص اليوم، للبشرية جمعاء، عمق الجرح وأبعاد التشويش اللذين حلا بالمسيرة الإنسانية السياسية والإعلامية والأخلاقية.

فالعراق الذي تفرّد بين الدول العربية بامتلاك طاقات بشرية وموارد ماديّة تؤهله أن ينضمّ إلى ركب الدول الصناعية المتقدمة، يعاني اليوم من افتقار شديد للخدمات الأساسية والتعليم والأمن وشروط الحياة اللائقة. ومبرّر من قاد العراق إلى هذه الهاوية هو الخوف، الخوف من شعبه والخوف على حكمه والخوف على مصالحه الضيّقة، فنشر التخويف والعنف والطغيان. وها هو الواقع يبرهن على أن امبراطورية الخوف تلك، لم يحكمها سوى الضعف والدمار والتهلكة. واليوم مبرّر من يتحكمون بمصير العالم هو الخوف من أسلحة الدمار الشامل، والخوف من الإرهاب، والخوف من انعدام الأمن، ولن تكون نتائج الخوف إلا كما كانت دائماً، مدمّرة للجميع.

وبذريعة الخوف، تتحول «إسرائيل» إلى سجن كبير لثلاثة ملايين فلسطيني، يعانون فيه من كافة أشكال القمع، والوحشية، والإرهاب، والتعذيب، ومصادرة الحريات والملكيّة والحياة، لأن مجرّد وجود الفلسطيني يدبّ الذعر في قلوب الطامعين بأرضه ومياهه وبلاده. وبذريعة الخوف يبني الصهاينة جدار فصل عنصري يقضم أخصب أراضي الضفة الغربية ومياهها، ويتخذون قراراً بمضاعفة عدد المستوطنين في الجولان المحتل، وتوضع خطة استعمارية تسمّى «خطة فك الارتباط»، وما هي إلا خطة إبادة شعب أصلي وإحلال مستوطنين مكانه. وبذريعة الخوف من كلّ من يقول كلمة حقّ أو يوجّه أنظاره في الاتجاه الصحيح يُقتلُ سيرجيو دي ميللو وآنا ليند، وعشرات المقاومين للظلم والعدوان، كي يصبح العالم أكثر خوفاً واضطراباً.

وبذريعة الخوف من الإرهاب تطلق أفكار وقرارات عنصرية يندى لها الجبين، وذلك كي تنشر في العالم الغربي الخوف من تكاثر عدد المسلمين في أوروبا بالضبط، كما يتم التخويف من تكاثر الفلسطينيين على أرضهم، كي يتم تبرير ارتكاب المجازر ضدهم، ويلتزم العالم الصمت حيال هذه الجرائم وهذه الأفكار وما ينجم عنها من سياسات ومواقف تعبّر عن أسوأ أنواع العنصرية ضدّ العرب والمسلمين، عنصرية اتخذت من أحداث الحادي عشر من أيلول غطاء لتوجّه أصابع الاتهام إلى دين وشعوب وقوميات كي يستمر من يروّج لها بخوض أبشع حرب إبادة عرفتها البشرية ضد العرب في فلسطين.

إذاً أين نسير من هنا، وما الذي يمكن لنا فعله؟

إن أول ما يتوجب فعله اليوم، هو إلغاء ذلك الربط المتعمّد بين ما حدث في الحادي عشر من أيلول وبين ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من احتلال إسرائيلي عنصري للأراضي العربية، والإجهاز على حقوقهم، وقتل وطرد وتشريد السكان الأصليين بحجة مكافحة الإرهاب، أو الخوف على الأمن والمستقبل. فالعرب هم الذين يعانون من الاحتلال، وهم الذين يعانون من انعدام الأمن، ومن انتهاك حقوقهم وامتهان كرامتهم نتيجة إجراءات الاحتلال البغيضة.

وإن ثاني ما يتوجب فعله اليوم، هو وقفة دولية حاسمة وجريئة ضد من يحاول وصم المسلمين بالإرهاب، وإعادة تعريف الإرهاب بأنه حالة شاذة موجودة لدى المتعصبين، بغضّ النظر عن الدين، وأن المعتدلين والأتقياء الحقيقيين من أتباع الديانات الثلاث، يتوجب عليهم الوقوف بحزم ضد كل الطروحات العنصرية التي تُتَخذُ غطاءً لتمرير السياسات الاستعمارية الاستيطانية، واحتلال الأرض، وسرقة المياه، واستقدام مستوطنين ليحلّوا محل السكان الأصليين.

وثالث ما يتوجب فعله، هو إعادة الهيبة إلى المواقف الأخلاقية والشرعية الدولية، التي كانت دائماً الضمانة الوحيدة لتقييم مسار الأحداث، وفرز الغثّ عن السمين، لأن المنطق اليوم هو منطق القوة، حيث يفرض من يمتلك السلاح ما يشاء من حدث أو تفسير للحدث، أو تسويق وترويج له، بعيداً كلّ البعد عن الحقائق التي تحاول أن ترفع صوتها في وجه التشويه والتشويش، إلا أنها لا تمتلك الأدوات لفعل ذلك.

والرابع، وأهم ما يتوجب الإيمان به، هو أن هذه الاستراتيجية التي تستبيح كل شيء تشدّ على زناد الإرهابيين والمتعصبين، وتزيدهم قوة وضراوة، ذلك لأنها تبث رياح العنصرية والكراهية بين الشعوب والأديان، ولا بدّ من استبدالها باستراتيجية تعتبر الإنسانية برمتها في قارب واحد، وتعزل كلّ من يهدّد حياة وأمن البشرية بالعنف أو القتل أو الاحتلال والاستيطان. بذلك فقط يمكن إعادة المركزية للمعتدلين والأتقياء والمتنورين من جميع الأديان والثقافات، ولا شك أنهم الغالبية في جميع أصقاع الأرض. وبذلك فقط نمهّد لهم السبيل كي يمسكوا بزمام الأمور، ويقودوا دفة السفينة إلى برّ الأمان، بعيداً عن الخوف والتخويف، وبعيداً عن الإرهاب والتهويل، وبأفكار وقلوب مفعمة بالإيمان وبالإنسانية الحقّة، وقدرة الإنسان على محاصرة الشرّ و التخلص منه، لا على الترويج له وإيهام البشر في كل دقيقة من حياتهم أنهم محاصرون بالأشرار، لأن الحق هو الذي ينتصر لا محالة في النهاية.
______________________________________________

(*) كاتبة سورية ، وهذا المقال ظهر في صحيفة " الشرق الاوسط" - لندن.