إسرائيل وأمريكا: وجهان لعملةٍ واحدة / عبد الكريم الحشاش*

إسرائيل وأمريكا: وجهان لعملةٍ واحدة / عبد الكريم الحشاش*

____________


كاتب سوري عضو اتحاد الكتاب العرب *



إنّ أمريكا كانت ولا زالت قبلةً للمهاجرين المتطلّعين للديمقراطيّة والحريّة والراغبين في العيش بأمن ودعة، والكارهين للتسلّط والدكتاتوريّة ومصادرة الحريّات والأنظمة الشموليّة، والمؤسّسات البرلمانيّة والشركات العظمى والمؤسسات الأكاديميّة والمعاهد المتخصّصة للدراسات والصحافة الحرّة ووسائل الإعلام المتطوّرة واللوبيّات، كلّ ذلك يؤثر على صانعي القرار في الإدارة الأمريكيّة، ولكن ألم يئن الأوان لكلّ هذه المؤسّسات والحزب المعارض وتحرّك الضمير لبعض عناصر الحزب الحاكم من أن يعي ضميرها لتتساءل عن المغزى أو السرّ وراء احتلال العراق، والأسباب والذرائع الحقيقيّة الموجبة لذلك!؟ ألم يئن لها أن تستفيق من غفلتها وتحسّس مصالح شعبها، ولا نريد منها مراعاة مصالح الشعب الذي احتلته لأنّ ذلك يحتاج إلى ضمير أكبر وصدمة أكثر عنفاً، ألم يروا أنّه كلّما أمعن الجنود الأمريكيّون في العنف وقهر المواطنين والاستهتار بشؤون الناس وتجاهل مشاعرهم أنّ ذلك كلّه أخذ يراكم الضغائن ويثير الناس اللاهين ويدفعهم لمقاومة المحتلّين، ويعلّل المسؤولون أنفسهم ويخدعون مواطنيهم بأنّ هذه بؤر أو جيوب لأناس عابثين أو خارجين على القانون، أمّا أغلب الشعب فإنّه يرحّب بالتواجد الأمريكي وسيذرف الدموع على رحيلهم!ٍ والأصوات التي أخذت تكسر حاجز الخوف وأخذت ترفع أصواتها مطالبة برفع الحيف وحقّها في الرغيف والماء والدواء والحياة الكريمة، هذه لا وزن لها! كلّ هذا العسف والجور يصنّفه الساسة والعسكريّون بأنّه محاولة جادّة لتخليص العراقيين من شوائب النظام السابق، ويغمض هؤلاء الساسة تنامي أعمال المقاومة وتعاظمها، ويغضّون الطرف عن أنّ الظلم مرتعه وخيم، وكلّما تعاظم القهر وازداد الازدراء وتجاهل الناس كلّما عظمت المقاومة وازدادت الخسائر، يقتل الناس تحت ذريعة تحريرهم ويستمرّ الاحتلال إلى أجلٍ غير منظور بحجّة التأكّد من أنّ العراقيين سينعمون بالحريّة والديمقراطيّة ويخشى عليهم من غوائل الدهر إن رحل الاحتلال،ٍ يتوهمّ الأمريكان أنّ أحداً في هذا الكون يرحّب بالاحتلال ويعجب بالمحتلّين ويتلهّف على بقائهم! ويظنّ الأمريكان بانحيازهم الأعمى لإسرائيل وتهديدهم للمقاومين بأنّهم يثلجون صدور العرب والمسلمين ويزداد إعجابهم بالأمريكان لأنّهم لا يثيرون إسرائيل ويضربون صفحاً عمّا تفعله وما تملكه من أسلحة دمار شامل.
كما أنّ إسرائيل التي تدّعي أنّها واحة الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق، تظنّ أنّها قادرة جهاراً نهاراً أن تبني مجدها على أنقاض الشعب صاحب الأرض المنسجم مع محيطه، وتلحق بالذين طردتهم ولجؤوا إلى المخيّمات وتحتلّهم من جديد فتنكأ الجراح، تحتلّ تحاصر تقتل وتغتال وتقتلع وتهدم بيوت بنيت بالدم والعرق والتعب الطويل والمضني، تقتل الأطفال غير عابئة بالرهق والظلم والجور والعناء والحنق، وتقتلع الأشجار التي زرعت قبل إنشاء الكيان الصهيوني في بلادنا، لإنّ ظنّوا أنّ الفتك بالأغيار محلّل ومباح فإنّ الأغيار سيهدرون دمهم، إنّ المنطق يقتضي بأن ينشمر الاحتلال وتبحث الأسباب التي ترتبت على احتلال فلسطين عام 1948م وحلّ القضيّة من جذورها لا أن ترشّ عليها مساحيق التجميليّة لتغطية العلّة أو سترها مؤقتا، والطمع لا يجوز وترحيل الحلّ إلى أجل قادم يفاقم الوضع، إنّ قادة إسرائيل لا زالوا يجرّون الوبال على اليهود، ويصورونهم بأنّهم غزاة قتلة لا يرعوون وليس لديهم ضمير ولا دماء تنبض في عروقهم ويظنّون أنّهم يخدمون اليهود ويحمونهم من الإرهاب، إنّ الإرهاب سيزداد على المحتلين والمغتالين والظلاّم، فمن ذا الذي يرضى بأن يسام الخسف فيركن إلى السكينة، ويعتريه الخوف ويصبر على بلواه، إن صبرَ جيل أو ذُعرَ فإنّ الأجيال المتلاحقة لن ترضى بالغبن، وكلّ مسؤول يأتي بالعنف سيجرّ الوبال على من يحكمهم، هذه ليست لعبة كرة قدم تنتهي بصافرة الحكم وهنيئاً لمن انتزع النصر ولو بالغشّ أو العنف، هذه أٍرض ثابتة سيعمرها بشر جيلاً بعد جيل والحكيم من يجنّب ذويه الخطر المستمرّ، والغبيّ من يتجاهل الحقائق ويعمد إلى خداع ناسه ونفسه.ٍ