الأزمة الفلسطينية بين العجز الداخلي وضرورة التدخل القومي/عوض عبد الفتاح**

الأزمة الفلسطينية بين العجز الداخلي وضرورة التدخل القومي/عوض عبد الفتاح**

يحتار الكاتب الصحفي الذي يتبوأ مسؤولية رسمية في حزب أو حركة سياسية تناضل ضد الإحتلال ومن أجل الحرية والمساواة بين بني البشر، بأية صراحة يكتب وأية لهجة يعتمد لوصف الحالة الفلسطينية الراهنة. فهو يحمل رسالة الحرية والجمال، هكذا يفترض على الأقل، ومهمة يومية قوامها حفز الناس الى التعلق بالحلم والعمل المنظم من أجل تحقيقه. فهو يخاف إذا ما أمعن في النقد وتوصيف الحالة بتفاصيلها المؤلمة أن يساهم في تعميق حالة اليأس ودفع من بقي لديه القوة الى الركون والقعود عن الواجب ولو بحده الأدنى. ويحاول في كثير من الأحيان أن يختار الكلمات والتعابير بدقة وبحذر شديد بحيث تبقى فسحة تسمح بالإطلال منها على مستقبل أفضل من الحاضر. وإلا فإنّ مهمته ستصبح أصعب بكثير.

هذا الشعور المختلط، الذي قد ينتاب البعض، يأتي بعد دروس الصمود الأسطوري لحزب الله أمام آلة الجيش الإسرائيلي الحديثة والضخمة المدعومة أمريكياً، وبسبب الرغبة في عدم تبديد الحالة المعنوية العالية الناتجة عن هذا الصمود. هذه الدروس التي يشعر كل عربي مخلص بالحاجة الى تذويتها، ليس على مستوى مقاومة النزعة التوسعية الصهيونية فحسب، بل على مستوى الشروط والمقدمات المطلوبة لمواجهة الإستبداد والتخلف العربي الراهن. والتي يجب أن تتوفر بالفرد المسؤول قبل كل شيء.

نسوق هذه الكلمات على خلفية الأزمة الخطيرة التي تعصف بالجسم الفلسطيني، وتهدد أكثر من أي وقت مضى بتفكك هذا الجسم، في الوقت الذي كان من المفترض أن يستفاد من دروس المقاومة في لبنان والأجواء التي أشاعتها في عموم الوطن العربي ونخبها الوطنية والقومية الإسلامية (السياسية).

لم يكن أحد يتوقع أن تجري ترجمة المناخ الإيجابي بصورة فورية في الميدان وفي الساحات العربية المشتعلة؛ العراق وفلسطين، التي ذاقت وتذوق الأمرين جراء العدوان الصهيوني المستمر والحصار الإقتصادي المدعوم دولياً والمسكوت عنه عربياً (رسمياً). أو في الساحات المهددة بالإشتعال، سوريا.

لكن أن يتصاعد التنازع والصراع بين طرفي النظام السياسي الفلسطيني، وتكال الإتهامات الخطيرة المتبادلة، ويتصاعد الفلتان الأمني على خلفية الإضراب الذي أعلنه الموظفون والمعلمون وأعضاء الأجهزة الأمنية، احتجاجاً على عدم تسلم رواتبهم منذ أكثر من ستة أشهر (165 ألف موظف وعائلاتهم) هو أمر خطير. إن كل ذلك كأنه يضع المواطن الفلسطيني أمام عبثية لا مخرج منها.

كان منطق نتائج الحرب على لبنان يفترض "هدنة" بين الإخوة، للبدء بدراسة هذه النتائج والتعلم في كيفية الإستفادة منها، لا تبديدها. إن أكثر ساحة بحاجة لذلك، أي إلى إعادة ترتيب واستخلاص العبر هي الساحة الفلسطينية التي قدمت من التضحيات ما قلّ نظيره في صراعها ضد إسرائيل، من أجل الحرية والحياة الكريمة. وهي التي علمت الكثيرين وحفزتهم على النضال ضد الإحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتهم حزب الله. لكن حزب الله أخذ كل ما هو إيجابي من التجربة الفلسطينية من روح كفاحية وروح تضحية، ودروس حرب العصابات، ورمى كل ما هو سلبي ومضرّ في هذه التجربة، وتحول بإبداع عقول قادته الى حركة أو حزب منظم ومنضبط يحكمة قرار واحد واستراتيجية واحدة، ويتميّز بعقلانية سياسية ومرونة كافية للهروب من المطبات الخطيرة دون تكلفة كبيرة – في توجهاته ومبادئه الأساسية.

إن القضية الفلسطينية هي محور الصراع بين العرب وإسرائيل وهي قضية عربية في الأساس وستبقى كذلك، والحركة الوطنية الفلسطينية هي جزء من حركة التحرر الوطني العربي بكافة فصائلها، ولا تزال هذه القضية في وجدان الشعوب العربية. وجاءت المعركة الأخيرة بين إسرائيل وأحد أبرز فصائل حركة التحرر العربي – حزب الله لتشحذ الوجدان العربي القومي مجدداً ولتستنهض كل ما هو ثوري في الثقافة الإسلامية. ومن هذه الحقيقة التاريخية والسياسية، لا بد ان يجري التحرك والتصرف من جانب بعض قادة حركة التحرر العربي المعروفين – سواء من التيارات القومية أو الإسلامية للمساهمة في حل الأزمة الفلسطينية الراهنة قبل أن تفلت الأمور من عقالها.

لقد بذلت جهود كثيرة، وجرت جولات حوار عديدة وتم التوصل الى تفاهمات هامة، كان آخرها وثيقة الأسرى بعد أن جرى تعديل بعد بنودها وكذلك مبدأ حكومة وحدة وطنية. لكن لم ينفذ شيئاً من ذلك على الأرض. فلا تزال العقلية الفصائلية والتمسك بالسلطة أو الرغبة بالعودة الى السلطة هي السائدة في الساحة الفلسطينية. فالأوضاع الإقتصادية صعبة جداً وهناك أشبه بحالة جوع، جراء الحصار الإقتصادي الخانق الذي يهدف الى إسقاط حكومة حماس. لا يستطيع الشعب الفلسطيني فك الحصار عنه ووقف العدوان واستئناف مسيرته التحريرية وهو على هذه الحالة.

وفاءً لتضحيات الشعب الفلسطيني واحتراماً لرغبته الجامحة في الحرية والإستقلال وبناء الوطن المستقل والقوي والعزيز، ووفاءً لتضحيات الشعب اللبناني ولشهداء المقاومة اللبنانية، من واجب كل مخلص عربي يحمل الهم القومي العام، أن يتحرك لنصرة هذا الشعب. فلماذا يترك قادة المجتمع المدني العربي – أحزاب وحركات وشخصيات وطنية تاريخية معروفة، قومية، واشتراكية وإسلامية، هذه الساحة لتدخل أنظمة عربية ومخابراتها في حين لا يبادر قادة عرب من ذوي الرصيد النضالي للمحاولة في حل الأزمة. الأمر الذي سيساهم في إعادة ربط القضية الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية ببعدها القومي العربي.


** عوض عبد الفتاح: السكرتير العام للتجمع الوطني الديمقراطي

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018