الطريق إلى إيلات لا يمر من باب الحارة../ شوقية عروق منصور

الطريق إلى إيلات لا يمر من باب الحارة../ شوقية عروق منصور

كلما يبث فيلم (الطريق إلى إيلات) للمخرجة المصرية إنعام محمد علي أشعر بمسحه من الكرامة المفقودة تعود وتنبض في داخلي، مع أن الفيلم مجرد شريط فني مربوط بسيناريو وإخراج وأبطال يمارسون البطولة الوهمية وديكور مبهر، إلا أن مجرد لمس الفكرة وإخراجها من أرشيف الذاكرة وتقديمها للأجيال عملاً يُرسخ الضوء والانتصار ويطرد عتمة الإحباط.

والضوء هنا ليس إغراق الأماكن بالنور، بقدر ما هو إغراق النفوس الخائفة، المهزومة، الممتلئة بالخيبات والهزائم بنور الثقة والقوة... خاصةً نحن نعيش في زمن دخل فيه المواطن العربي حالة " الكوما " الغيبوبة الوطنية والقومية بعد أن ربطت أنظمتهم تفكير المواطن برغيف الخبز.. و (طوابير العيش) وببرامج فنية تقذفها الفضائيات لمحاصرة الهزائم..

(الطريق إلى إيلات) ليس فيلماً عادياً وليس فيلماً خارقاً كأفلام حرب النجوم الخيالية، بل فيلم مأخوذ من سجلات البحرية المصرية، بالتحديد خلال حرب الاستنزاف حيث قام رجال الضفادع البشرية المصرية بتدمير السفينة "بت شيباع" والسفينة "بات يام" اللتين كانتا تقفان على الرصيف الحربي بميناء إيلات. هذا التدمير الذي كان له أصداء سياسيه غلف هزيمة 67 بغلاف انتقامي، بالإضافة إلى الرسالة التي وصلت للإسرائيليين أن هناك استعداداً وتخطيطاً من الجانب المصري على تغيير الصورة المنتصرة التي أرادت إسرائيل أن تنقلها للعالم عبر انتصارها في حرب 67.

إخراج قصص وحكايات ومعارك من أرشيف الذاكرة الوطنية، التاريخية، الشعبية، العسكرية، تعتبر أداة لربط الشعوب بذاكرتها وإعطاء هذه الشعوب القدوة والجمر لإشعال الارتباط كي يبقى حاراً، متواصلاً، وما الدول إلا مجرد شعوب حريصة وتحرص على أن يبقى شأنها عالياً بين الشعوب الأخرى..

ومن جوانب الحرص فتح الأرشيفات التي هي ينابيع تخترق الظمأ، وتقدم للمواطنين والأجيال.. وأحياناً يلعب الخيال في مرمى الحادثة، لكن الجوهر والإطار واستحضار الأحداث بوجوه أبطالها يضيفان على الذاكرة بريق الاعتزاز بالإضافة إلى حماية الأحداث من الذوبان.

(الطريق إلى إيلات) عادةً يقدم على الفضائيات العربية والمصرية خاصةً أثناء الاحتفالات، في ذكرى ثورة يوليو، أو في ذكرى حرب أكتوبر.. واعتبر عرضه مع بعض الأفلام القليلة التي تسير في هذا النهج نوعاً من التعويض عن الحاضر وشحن المشاهد بقليل من شحنات الفرح والمباهاة... ورغم غياب المصداقية عن بعض الأعمال الفنية إلا أن (الطريق إلى إيلات) اعتمد على أسماء ووقائع معروفة.. لذلك يعد من أفضل الأفلام العربية التي لمست التاريخ بجرأة وواقعية بعيداً عن الفانتازيا واستعراض العضلات.

من يلاحظ الفضائيات العربية خاصةً المسلسلات السورية هناك تصميماً على فتح أرشيف الذاكرة السورية من زاوية مقارعة الانتداب الفرنسي.

وهناك تفاوت في حجم تصوير هذا النضال في العمل الدرامي، وغالباً ما تأخذ المقاومة جزءاً عابراً أو بعيداً عن مجريات الأحداث الإيقاعية للمسلسل أو تصبح مجرد كليشهات رنانة لدغدغة روح المشاهد كما حدث في مسلسل "باب الحارة" الذي حاول ربط أبطال الحارة في أجواء المقاومة، ولكن سقطوا في عبء الخيال وعدم الإقناع.

وحتى نهاية المسلسل التي تلخصت في هجوم أبناء حارة الضبع وحارة الماوي وجماعة الغوطة على سجن المخفر لتحرير المسجونين، ويأتي أمر العقيد أبو شهاب بعد أن طلب الضابط الفرنسي بفتح باب الحارة أو ضرب الحارة بالمدفعية، يفتح باب الحارة فيبرز أبناء الحارة في الصف الأول وهم ساجدون ثم يطلقون صيحتهم " الله أكبر " ويظهر بالصف الثاني ويطلق النار على الفرنسيين، لا نريد هنا أن نحصي معارك الخيبات والهزائم، نحن نؤمن أن الزغب من الممكن أن يكبر ويصير أجنحة للنسور.. لكن حين يكون "الطريق إلى إيلات" بأبطاله الحقيقيين صادق في طرح قوة المقاومة وتناول الموضوع بواقعية ولا مكان للخيال الذي يجر الاستخفاف، يؤكد أن الطريق صحيحة، الطريق إلى إيلات لا تمر بحارة الضبع ولا بأمر من العقيد أبو شهاب، وليس بحاجه إلى باب الحارة، وفي بورصة الآمال العربية هناك توجه إلى نزع أبواب الحارات، وجعلها طريقاً واحداً...!!! ولكن هل من أحد يبدأ بشق الطريق.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018