العدوان أولاً، الانهيار ثانياً / جوزف سماحة

العدوان أولاً، الانهيار ثانياً / جوزف سماحة

التمثال قاوم أكثر من صاحبه. بدا، لوهلة، أنه يرفض السقوط. غير أنه، في عناده، قدم تكثيفاً لهذه الحرب. حاول عراقيون قلائل زحزحته. لم ينجحوا. عُصب رأسه بعلم أميركي. ثم أزيل. رُفع علم عراقي. أُنزل. تقدمت دبابة أميركية وتولّت، بالأصالة عن نفسها والنيابة عن الآخرين، طأطأة النصب. إنها، في ساعات قليلة، قصة النظام والشعب والاحتلال.

لا يجوز مقاربة هذه الحرب من خلال نتيجتها فقط. الأسباب مهمة أيضاً. لذا نحن أمام سؤالين لا واحد: لماذا حصل العدوان؟ لماذا حصل الانهيار؟

أما العدوان فلأن الولايات المتحدة أرادته. كان مشروعاً لبعض الإدارة الحالية يختمر منذ سنوات. تحوّل إلى خطة في سياق تفجيرات 11 أيلول والانتصار السهل في أفغانستان. تكاد
أهدافه تكون معلنة سواء في ما يخص إعادة هيكلة الشرق الأوسط، وتعزيز الحل الليكودي للقضية الفلسطينية، أو في ما يتعلق ببناء نظام جديد من العلاقات الدولية. تريد واشنطن أن تحصد ما زرعته في المنطقة منذ عدوان 67، وأن تعوّض ما فاتها، عالمياً، منذ انتهاء الحرب الباردة، وأن تستبق تطورات تهدد بتقليص وزنها حيال حلفاء وشركاء.

ثمة بناء كبير، من وجهة نظر واشنطن، ينهض فوق هذه الحرب التي يمكن اعتبارها، بحق، فعلاً تأسيسياً لمرحلة جديدة. ولذلك لم يكن في الإمكان إيقاف قطار الموت وكان لا بد من منع الحرب أو السعي إلى جعلها مكلفة. وتقضي الحقيقة القول إننا، اليوم، أمام فشلين. الفشل الأول هو في منع الحرب. وهو يطال مجلس الأمن، ودولاً نافذة، وقادة روحيين، وعشرات ملايين المتظاهرين. لقد حاولت بغداد تسليحهم بما يمكّنهم من صد الاندفاعة الأميركية غير أنهم لم يتمكّنوا من ذلك. الفشل الثاني هو في جعل الحرب مكلفة. وهذا حديث آخر.
يخطئ من ينظر إلى يوم أمس فلا يرى فيه إلا دخولاً سهلاً إلى بغداد. إن أسباب الانهيار لا تتجاوز 9 نيسان 2003 فقط، ولا العشرين يوماً من القتال فحسب.

لقد كانت نتيجة الحرب محسومة منذ لحظة انطلاقها. ولقد خُدعنا بدفعة مقاومة لم تلبث أن اختفت. وعادت موازين القوى لتفعل فعلها.

إن ما حصل أمس هو تتويج لحروب عمرها ما لا يقل عن 23 عاماً. كان سبقها تحطيم لمعظم القوى السياسية العراقية وتركُّز استثنائي للسلطة. لقد خرج العراق من قتاله مع إيران بجيش <<قوي>> ومجتمع منهك. ثم دخل المغامرة الكويتية فخرج منها بجيش محطم ومجتمع منكسر ومدمّى ويائس خاصة بعد العنف الداخلي القاسي. وتبع ذلك حصار لم يعرف العالم مثيلاً له. كانت العقوبات مؤذية، وتقلصت السيادة كثيراً، غير أن قدرة النظام على التحكّم بمواطنيه ازدادت في حين كان النسيج الوطني يتعرض إلى تمزق يكاد يضعه على حافة الاندثار: قمع، جوع، فقر، أمية، تفكك العلاقات الإنسانية، زيادة الجريمة، انعدام الصلة بالخارج، انحطاط الثقافة... وعندما لاحت بوادر العدوان الجديد كان العراق حطاماً ومؤسسات السلطة منخورة.

إن عراقاً على هذه الشاكلة لا يستطيع الصمود الجدي أمام أقوى آلة عسكرية في تاريخ البشرية. لذلك لا غرابة أن يحصل التداعي الذي شهدناه والذي يتوّج مرحلة تاريخية كاملة. لقد كان النظام هو نقطة الضعف الهائلة في الدفاع عن الوطن لأنه لا يستطيع استنفار سوى أقلية. ومع ذلك لم يستشعر رئيس النظام واجب أن يتظاهر بسحب يده من <<المقبّلين>> وذلك قبل ساعات من موتهم في سبيله... أو الهرب.

عندما وصل الغزاة وجدوا ظل مجتمع أو بقاياه. لم تحصل انتفاضات شعبية ضد الاحتلال، ليس لنقص في الوطنية. ولم تحصل انتفاضات شعبية ضد النظام، ليس لنقص في رفضه... لم تحصل انتفاضات لأن الشعب العراقي، ربما، دون القدرة على ذلك. إن عدد الذين تجمّعوا لإسقاط التمثال يقارب عدد الذين هرعوا يقبّلون الأيدي... وهو قليل.

يفيق معظم العراقيين اليوم على بلد آخر. إن أكثرية ساحقة بينهم لا تعرف إلا هذا النظام الذي حكم لعقود.

انتهت، أمس، عملياً <<ثلاثية>>: الشعب النظام الاحتلال. سيجد المواطنون أنفسهم أمام جيوش أجنبية. هل هي جيوش غزو؟ هل هي جيوش تحرير؟ قبل إطلاق تقديرات حول صيغة العلاقة في ثنائية الشعب الجيوش الأجنبية، يتوجب إجراء تقدير دقيق لما كان عليه السلوك حين كانت <<الثلاثية>> مسيطرة.

الواضح في خلال العشرين يوماً الماضية أن الشعب العراقي أعطى النظام فرصة الدفاع عن نفسه. لقد كان رفض المشاركة الشعبية أسلوباً في الحكم طيلة عقود. غير أن هذا الرفض انقلب ليصبح حكماً على السياسة السابقة من دون أن يكون ترحيباً بما هو قادم. لقد تفرج العراقيون على الحرب إذا كان جائزاً استخدام هذا المصطلح. لم تبادر مدينة إلى <<إسقاط نفسها>>. ولكن انحيازات متفاوتة حصلت إلى الفريق الرابح بعد ربحه وبشكل لا يسمح بالحسم في ما كانت عليه التمنيات السابقة.

يصعب، والحالة هذه، تفسير الرسالة التي وجهها العراقيون في خلال ثلاثة أسابيع. هل سيميلون إلى الاستكانة وإعطاء المحتلين <<فترة سماح>>؟ هل سيرفضون حكماً أجنبياً ولو اختبأ وراء عملاء محليين؟ إن القرار قرارهم طبعاً ولكل وجهة كلفتها.

إن عوامل كثيرة ستتدخل ل<<مساعدة>> العراقيين على الاختيار. ولكن ما يمكن الحسم فيه، منذ الآن، هو أن اليمين الأميركي الأقصى سيحوّلهم إلى حقل اختبار لأطروحاته الخطيرة.

لقد خرج هذا الجناح منتصراً في الحرب الأخيرة التي كانت، في العمق، اختباراً أولياً لنظريته في الضربة الاستباقية. وسيعتبر أن من حقه ممارسة سياسة <<الشهية المفتوحة>>... على العراق أولاً، وجيرانه تالياً، والعالم كله استطراداً. ويعني هذا الكثير بالنسبة إلى هوية البلد، وثقافته، وروابطه، واقتصاده، وتوازناته الداخلية، وموقعه في منطقته، ومستقبله... إلخ. إن هذا <<الكثير>>، ممّا نعرف عنه بعض الشيء، هو فوق طاقة <<المعارضة>> على التحمّل ما عدا بعض الغلاة من رموزها.

قد لا تكفي جذرية هذا اليمين الأميركي وحدها لإنتاج رد فعل عراقي سلبي. ولكنها توفر، بالتأكيد، شرطاً ضرورياً (ولو ليس كافياً) لأن يخلط المرء بين توقعاته وتمنياته، ويرجح أن العراقيين لن يستطيعوا تلبية دفتر الشروط.

* جوزف سماحة ، رئيس تحرير جريدة " السفير " ( 10/4/2003)