القسام سلاح عسكري أم سلاح سياسي؟؟../ هاشم حمدان

القسام سلاح عسكري أم سلاح سياسي؟؟../ هاشم حمدان

"لقد أطلقت النار على شرطي فلسطيني، في حين كان البقية يطلقون النار على خمسة آخرين. أفرغت صلية كاملة من الرصاص عليه للتيقن من موته. ثم قلبته على ظهره. كان رجلاً سميناً في الخمسين من عمره، وجثته مليئة بالثقوب. كانت المرة الأولى التي اقتل فيها أحداً.. لقد كانت متعة.."!

هذه كلمات أحد جنود الإحتلال، أثناء تنفيذ مجزرة انتقامية، بدم بارد، راح ضحيتها 15 شرطياً فلسطينياً، في إطار الرد الإسرائيلي على عملية عسكرية نفذتها عناصر المقاومة الفلسطينية ضد جنود الإحتلال في عين عريك، في الضفة الغربية، قتل فيها 6 من جنود الإحتلال عام 2002.

أما عملية "الوهم المتبدد" في كرم أبو سالم، والتي هي أيضاً عملية عسكرية نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد جنود الإحتلال، فقد استدعت رداً إسرائيلياً مختلفاً، لكونها كانت المحفز لإسرائيل إلى التحرك تحت ذريعة الجندي الإسرائيلي الأسير.

وفي الواقع فإن الحكومة الإسرائيلية لا تأبه كثيراً لمصير الجندي الأسير، بقدر ما يقلقها صاروخ القسام الذي ينسف كل مخططاتها السياسية، فالقسام الذي يمكن اعتباره "لعبة نارية" بالمقارنة مع الترسانة العسكرية الهائلة لدى إسرائيل، يتضح أنه لا يمتلك طاقة تفجيرية مدمرة، وإنما طاقة تفجيرية ذات فاعلية كبيرة في نسف مخططات سياسية.

فنظراً لخبرة إسرائيل الطويلة في الأحزمة الأمنية، لعل أشهرها حزام "الدويلة الدرزية" المخطط الذي فشل في السبعينيات، والحزام الأمني في جنوب لبنان في الثمانينيات، فقد طرحت فكرة إقامة حزام أمني في شمال وشرق قطاع غزة يحميها من عمليات المقاومة، بما في ذلك جعل مهمة حفر الأنفاق مهمة أصعب، إلا أن صاروخ القسام الذي يتجاوز مداه هذا الحزام، وظروف القطاع من جهة الكثافة السكانية منعا من المضي في تنفيذه.

ومع بداية العدوان الحالي على القطاع، حاول جيش الإحتلال، بخبرته الطويلة في التهجير، تهجير أهالي بيت لاهيا القريبة من "نتيف هعسراه" وزيكيم" ومستوطنات النقب الغربي الممتدة حتى عسقلان، وبيت حانون القريبة من سديروت، والاحياء الشرقية (الشجاعية والزيتون) من مدينة غزة، وقرى الشوكا شرق رفح، في حين لا يزال الخطر جاثماً أمام البريج والمغازي شمال شرق دير البلح، وعبسان وبني سهيلة شرق خان يونس، عن طريق نداءات- تهديدات- يوجهها جيش الإحتلال. وكان من الواضح أن فكرة إقامة حزام أمني عريض لا تزال تخيم على عقول قادة الأجهزة الأمنية، إلا أن سقوط الصواريخ في عسقلان ورفض الفلسطينيين ترك بلداتهم، قد أحبط هذا المشروع.

إلى ذلك، فإن تواصل إطلاق صواريخ القسام، مع كل آثاره المحدودة، بدأ يدمر مبدأ "الحلول الأحادية الجانب" التي تحاول إسرائيل فرضها من طرف واحد، والتي ارتكزت عليها الحكومة السابقة وترتكز عليها أيضاً الحكومة الحالية. فقد أفشل القسام خطة فك الإرتباط، فلسطينياً بوصفها خطة لعزل قطاع غزة وعزل نضال أهلها عن نضال الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وإسرائيلياً بوصفها خطة أحادية الجانب لم تجلب الأمن للمستوطنات المحاذية لقطاع غزة.

وبالنتيجة فقد ضعضع القسام ما تبقى من ثقة الجمهور الإسرائيلي بخطة أولمرت "التجميع" في الضفة الغربية، نظراً لفشل المقدمة (فك الإرتباط) أولاً، وثانياً بسبب الخوف من انتقال تكنولوجيا القسام إلى الضفة الغربية، الأمر الذي يضع المركز تحت طائلة القسام.

تدرك إسرائيل ذلك الآن جيداً، وطالما اعترف المسؤولون الإسرائيليون بعدم وجود حل عسكري للقسام، ومن هنا فليس صدفة أن تضع هدفاً ثالثاً لحملتها العسكرية الحالية، وهو إسقاط الحكومة الفلسطينية، كمخرج لها من الأزمة، فبادرت إلى اعتقال عدد من الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، الأمر الذي وضعها أمام مخاطر انهيار السلطة الفلسطينية برمتها في حال مواصلة ذلك من جهة، ومن جهة أخرى لفت أنظار العالم إلى حقيقة ما تقوم به، وبدأ ذلك يستدعي ضغوطاً دولية، يعترف الإسرائيليون أن مسألة تصاعدها هي مسألة وقت.

وكمخرج آخر للأزمة، فقد لجأت إلى الضغط على المدنيين الفلسطينيين، فحتى لو استثنينا قطع الكهرباء والمياه ونسف الجسور وإغلاق المعابر وفرض الحصار المطلق على قطاع غزة، فلا تخلو أخبار القطاع من النبأ اليومي الذي يفيد تعرض المدنيين لقصف الإحتلال وغاراته.

وبعد أن سال في قطاع غزة، في الشهرين الأخيرين، من الدماء الغزيرة الطاهرة التي تكفي لإغراق سديروت، لا يجد وزير الأمن، عمير بيرتس، حرجاً ولا يطرق له جفن في الإدعاء بأن الجيش الإسرائيلي "يدير حرباً من خلال المحافظة على الرموز الأخلاقية التي لا يحافظ عليها أي جيش في العالم"، وأن الجيش الإسرائيلي "يصطدم بناشطين إرهابيين يحتمون بالأطفال"، وأن "الجيش يبذل كل ما بوسعه من أجل عدم التعرض للمدنيين"!

وتصل الوقاحة أوجها عندما لا يجد قادة جيش الإحتلال، حرجاً في ابتكار صورة جديدة لتبرير شدة المقاومة الفلسطينية من جهة، ورسم صورة إنسانية للجندي الإسرائيلي، عندما يزعمون أن هذا الجندي، بدافع مشاعره الإنسانية المزعومة، يجد صعوبة في إدارة معركة مع "إرهابي يحمل "آر بي جي" بيده الأولى، وطفلاً باليد الثانية"، رغم اعتراف رئيس هيئة أركان جيشه، حالوتس، بأنه لم يشعر (رداً على سؤال بماذا شعر؟) سوى "باهتزاز خفيف في جناح الطائرة" لدى إلقائه قنبلة تزن أكثر من طن أدت إلى استشهاد 14 مدنياً وإصابة أكثر من 150 آخرين، غالبيتهم من الأطفال. ويقيناً أن حالوتس لم يعد يشعر بأي اهتزاز الآن!

وفي خضم هذا التخبط الإسرائيلي، تطرح من جديد على الحكومة الإسرائيلية، برأسيها أولمرت وبيرتس، عدد كبير من المسائل الأمنية المتصلة بمسألة السيطرة على المعابر، بما في ذلك السيطرة الإقتصادية، ومسألة تطبيق مبدأ نزع السلاح من الفلسطينيين، ومسألة رفع المسؤولية الإسرائيلية عن القطاع باعتراف دولي..

في إحدى جلسات الحكومة، قبل أكثر من عشر سنوات، تساءل رئيس الحكومة في حينه، يتسحاك رابين: كيف يمكن "قص" قطاع غزة وفصله عن إسرائيل ليطفو بعيداً في عرض البحر؟!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018