النتائج الأخرى للحرب/ حسن عبد الحليم

النتائج الأخرى للحرب/ حسن عبد الحليم

كعادة المخرجين، لخص لي أحدهم، وهو مخرج مسرحي وسينمائي( إن جاز التعبير، لأنه لا يوجد سينما محلية بالمعني الذي تحمله تلك الكلمة الكبيرة)، نتائج الحرب الأخيرة على لبنان من الناحية العسكرية بمقطع تسجيلي عرضه أمامي، يبين أحد الجنود الإسرائيليين أثناء دخوله إلى جنوب لبنان، وأوقف الشريط لبضع ثوان ودعاني إلى التمعن بالجندي الأنيق الواثق، وسألني هل تراه داخلا كالأسد؟ وأكمل العرض ليريني نفس الجندي عائدا من لبنان، ملابسه ممزقة، ويتكئ على زميل له صارخا مولولا.

لقد توقعوا طوابير أسرى أيديهم فوق رؤوسهم وأعينهم معصوبة ولم يجدوا ما توقعوا، وقد قال أحد المعلقين الإسرائيليين ساخرا يبدو أن مقاتلي حزب الله لم يسمعوا أنه يجب عليهم أن يستسلموا". لا شك في أن قدرة الردع الإسرائيلية ضربت في الصميم، وظهرت بشكل جلي محدودية القوة، ولكن في كل انفجار يوجد شظايا لا تركز عليها العدسات لأنها مشغولة بتصوير الانفجار.

هناك تأثيرات جانية لتلك الحرب ظهر منها ما ظهر والآتي مخبأ في حنايا الزمن. وأول ما استوقفني في تلك الحرب بعيدا عن القصف والقتل والتدمير هو أن مصداقية البيانات العسكرية الإسرائيلية هزيلة، وأصبحت شبيهة بتعليقات العرب عام 67، وأصبح تناول الآخرين لها يتم بحذر ويبدأ بكلمة "يزعم" ليس لأن ذلك نابع فقط من موقف مناهض للحرب بل من شعور عميق بعدم الثقة، وأن ما يقال تجاوز الحرب النفسية ليصبح كذباً ودجلاً.

لم يكن نصيب الصحافة العبرية من المصداقية أفضل، فإلى جانب تحولها لبوق حرب، اعتمدت بالأساس على البيانات العسكرية، بل والبعض بهرجها، وأصبحنا ننظر بمزيد من الشك إلى كل خبر أو تقرير فيه طرف عربي.

من نتائج تلك الحرب أنها جعلت أولمرت يعلن نعي "خطة التجميع"، والبحث عن شيء آخر، فكان سروره عظيما حينما وجد في أحد الأدراج القديمة "خارطة الطريق" ليشير إلى مساعديه بنفض الغبار عنها وإلى وزيرة خارجيته إلى التشدق بها.

ومن نتائج تلك الحرب أن يبدأ وزير الأمن، عمير بيرتس بالحنين إلى عمير بيرتس القديم، والتشوق إلى تلك الأيام التي كان "يحسن" فيها الوقوف في المظاهرات العمالية، ليزور اليوم مصنع دجاج كان قد ساهم في منع إغلاقه، استعدادا لرأس السنة العبرية، ليوحي بما ينتابه من إحساس ويكابر في قوله، أن مكانه هناك وأنه وصل إلى هنا بالخطأ، وأن دور بونابرت قد انتهى نهاية تراجيدية.

ومن مرافقات ونتائج الحرب أيضا زيادة سفك دماء الفلسطينيين وهدم بيوتهم والاعتداء عليهم، وقد أظهرت دراسة أجرتها منظمة بتسليم تفيد أن الاعتداءات والتنكيل بالفلسطينيين زادت بشكل ملحوظ أبان الحرب وما الحال بأفضل بعدها.

ومن نتائج الحرب أيضا ما تكسر من خطط عملت المؤسسة الإسرائيلية على تنفيذها على عرب الداخل بشتى الوسائل ليصبحوا عربا جيدين، والعرب الجيدون وفق تعريف المؤسسة الإسرائيلية، هي أسرلة، وتبعية مع تكريس الدونية.

يبدو لنا أن الغطرسة والغرور لم تتأثر، فربما ما زالت الهزيمة في طور الاستيعاب، وفي طور الاستدخال إلى العقل الباطني، ويرافق ذلك "صرعات" متفاوته من الغطرسة قد تكون إحداها تقديم من تزعم قوات الأمن أنهم أسرى لبنانيون إلى القضاء الإسرائيلي، والاستمرار في اعتبار حركات التحرر والممانعة إرهابية، ورفض المساواة في تعريف الأسرى العرب والإسرائيليين والنظر إليهم بمعيار واحد. فهل ستختفي الغطرسة وتتحول إلى ندية؟ سؤال، الإجابة عليه قد تحمل في طياتها حلولا لكثير من القضايا والأزمات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018