الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية كمدخل للهيمنة على العالم/ماجد كيالي

الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية كمدخل للهيمنة على العالم/ماجد كيالي

من أوجه عديدة يمكن اعتبار الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق بمثابة حرب عالمية جديدة، فإضافة إلى تغيير النظام في هذا البلد، فإن الإدارة الأمريكية تتوخّى من هذه الحرب، أولا، السيطرة على منابع النفط والتحكم بتوزيعه وأسعاره؛ وثانيا، الهيمنة على المنطقة العربية وإعادة تشكيلها، بما يتناسب والمصالح الأمريكية، التي من ضمنها مصالح حليفتها إسرائيل؛ ثالثا، فإن الحرب على العراق تستهدف تكريس زعامة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى وحيدة في العالم.
على ذلك ومن المنظور الاستراتيجي للإدارة الأمريكية فإن المدخل المناسب لتعزيز قيادة أمريكا، كقطب أوحد للعالم، إنما يتمثل بإحكام السيطرة على المنطقة العربية، بسبب موقعها الجغراسي ـ الاستراتيجي للعلاقات الدولية، وبسبب مخزونها الكبير من النفط والغاز، الذي يمثل ثلثي المخزون العالمي.
وتبين المعطيات أن العراق لوحده، مثلا، يمتلك 130 مليار برميل من النفط، في 73 حقلا لا يستثمر منها الآن إلا حوالي 15 حقلا، وأنه يمتلك حوالي 150 ـ 250 مليار برميل من النفط في المخزون الاحتياطي، وهو ينتج بين 2 ـ 3 مليون برميل من النفط يوميا، وتعتقد الإدارة الأمريكية أنه بالإمكان مضاعفة هذا الإنتاج، مستقبلا، لمواجهة المتطلبات المتزايدة لسوق النفط، وهذا ما يفسر الجهد المحموم لأمريكا في احتلال العراق ووضع يدها على نفطه. والمعنى من ذلك أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن سيطرتها على النفط ستجعلها أكثر قدرة على التحكم بالدول الكبرى المنافسة لها، مثلا: الاتحاد الأوروبي واليابان والصين، نظرا لأن النفط سيبقى لعقدين، وربما أكثر، هو الطاقة المحركة للاقتصاد العالمي.

ومعلوم أنه ثمة مخططات أمريكية، يقف وراءها بعض غلاة المتطرفين المتنفذين في الإدارات الأمريكية، من المتحالفين مع الصهيونية، تتضمن فرض الوصاية الأمريكية المباشرة على النفط العربي، لأهمية ذلك بالنسبة لأمريكا وبالنسبة لقدرتها على التحكم بالدول الكبرى. وكان ريتشارد بيرل، رئيس المجس الاستشاري في البنتاغون (استقال من منصبه مؤخرا)، هو الذي وقف وراء التقرير الذي كتبه للبنتاغون لوران موراويك، المحلل الاستراتيجي في مؤسسة «راند»، في العام الماضي، الذي حرض فيه على اعتبار المملكة العربية السعودية معادية للمصالح الأمريكية، والذي دعا فيه إلى احتلال حقول النفط فيها ووضع اليد على أموالها، مؤكدا أن هذه الخطط موجودة في دوائر البنتاغون منذ السبعينيات! وفي هذا السياق، مثلا، يمكن استعادة مقالا كان جيمس ايكنز، وهو السفير الأمريكي الأسبق في المملكة العربية السعودية، قد نشره في صحيفة "الواشنطن بوست"، يوم 12/9/1990، دعا فيه إلى تدويل النفط والسيطرة عليه بإبقاء القوات الأمريكية في السعودية، بعد أن تتم الإطاحة بصدام حسين، بغض النظر عن رضى المملكة. وذكّر ايكنز في مقاله بالفكرة التي راودت بعض الأوساط الأمريكية، في أواسط السبعينيات، بشأن تشكيل قوات تدخل سريع للاستيلاء على آبار النفط. ودعا ايكنز في مقاله إلى تطبيق هذا السيناريو وتطويره من خلال قيام الولايات المتحدة باقتطاع رسوم إدارة بواقع 10 دولارات عن كل برميل نفط تاركة للحكومة السعودية مبلغا سخيا (!) يبلغ 8 دولارات لكل برميل (سعر برميل النفط آنذاك20 دولارا).

وتفاخر ايكنز في مقاله قائلا: "لم يحدث قط أن أدى أي غزو إلى تحقيق مثل هذه النتائج العظيمة لصاحبه إلا غزو أسبانيا للعالم الجديد".(!) واعتبر ايكنز اقتراحه المتمثل بتدويل النفط العربي بمثابة "تصحيح لأحد أخطاء القدر الذي لا يمكن تغييره والمتمثل في وضع هذه الموارد القيمة في مكان لا يستحقها..(متابعا) من الأمور الكريهة أن نعتقد أن الشعب السعودي والجيش السعودي سوف تظل لديهما الرغبة في الطاعة للأبد"!
أما بالنسبة لمشروعات السيطرة على المنطقة العربية فكانت قد نشرت ملامحها العامة في عقيدة الأمن القومي التي تبنّتها إدارة الرئيس بوش في سبتمبر من العام الماضي، وأعلن عن خطوطها العامة بوضوح كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في خطابه بشأن "الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية، يوم 12/12 من العام الماضي، التي ترتكز على ادعاء "نشر الديمقراطية" في البلدان العربية، وهي فكرة تتأسس على تغيير أو إصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية وتغيير مناهج التربية والتعليم وإفساح مجال للمجتمع المدني، على حساب الدولة، وإيجاد حل للصراع العربي ـ الإسرائيلي. وقد جدد باول هذه الرؤية، في خطابه أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، يوم 6/2/2003، حين عبر عن اعتقاده بأن إسقاط النظام العراقي قد يفسح المجال لإعادة صوغ المنطقة بطريقة ايجابية تعزز مصالح الولايات المتحدة، خصوصاً إذا تم تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

عموما فإن مجمل تصريحات المسؤولين الأمريكيين أكدت سعي الإدارة الأمريكية لإعادة هيكلة المنطقة، وهذا الأمر يلفت انتباهنا إلى أمور أساسية من أهمها: أولا، أن أمريكا لم تتراجع عن مشروعها "الشرق أوسطي" الذي طرحته منذ مطلع التسعينيات، برغم كل العراقيل الذي واجهت هذا المشروع وأدت إلى فشله، وهذه ملاحظة على غاية الأهمية؛ ثانيا، أن الولايات المتحدة الأمريكية التي فشلت في فرض المشروع الشرق أوسطي، في العقد السابق، بوسائل الابتزاز السياسي والضغط الدبلوماسي والإغراء الاقتصادي، ستحاول في هذه المرحلة فرضه بوسائل الإكراه وبالقوة العسكرية، حيث يلزم الأمر، إن منفردة أو بالتعاون مع الكيان الإسرائيلي؛ وثالثا، أن الولايات المتحدة، في حال نجحت في مخططاتها في العراق، لن تعدم الحجة في محاولاتها التدخل في شؤون البلدان العربية فهي ستتدخل حينا بحجة مواجهة الإرهاب ونزع السلاح أو الحد من نفوذ "الإسلام السياسي المتطرف" أو بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان أو الأقليات الاثنية ونشر الديمقراطية وإصلاح النظم السياسية والاقتصادية والتعليمية، ولربما يصل الأمر إلى حد فرض الوصاية الدولية على هذا النظام أو ذاك، بشكل أو بأخر؛ رابعا، في كل ذلك فإن إسرائيل ستبقى حجر الزاوية والحليف الموثوق للسياسة الأمريكية في المنطقة لا سيما بعد أن تبين أن أصدقاء أمريكا في المنطقة العربية لا يستطيعون الذهاب بعيدا في التساوق مع سياسات البيت الأبيض، وحتى تركيا، وبرغم من كل روابطها ومصالحها مع أمريكا، مانعت السماح في حرية الحركة للقوات الأمريكية في العدوان على العراق.

من كل ذلك يبدو أن المصطلحات الأمريكية بشأن "إعادة هيكلة" المنطقة و"نشر الديمقراطية" ونظرية "الدومينو"، التي توحي أن انهيار النظام العراقي سيؤدي إلى انهيارات لأنظمة أخرى بشكل أو بأخر، إنما تتوخى ابتزاز باقي الأنظمة العربية وتهديدها لتطويعها للتساوق مع مشاريع الهيمنة الأمريكية.

وأخيرا فإن غزو العراق أكد بما لا يدع مجالا للشك مدى الانشقاق في الغرب حول كيفية إدارة العالم، وبيّن بشكل كبير تهافت وهشاشة نظرية "صراع الحضارات" (لصموئيل هنتنغتون). ولكن حتى لا نبالغ كثيرا هنا ينبغي أن ننتبه إلى أن هذا الانشقاق لا يتعلق بمنظومة القيم، المتعلقة بنشر الليبرالية والاقتصاد الحر والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنما هو يتعلق بشكل نشر هذه القيم، أي عبر الوسائل السلمية: السياسية والدبلوماسية ووسائل الإغراء الاقتصادي وبقوة النموذج، وهو ما تريده أوروبا، أم عبر القوة العسكرية الطاغية وبوسائل الإكراه والانقلابات الفوقية، وهو ما تتبناه أمريكا. ولا شك أن المسألة هنا أيضا لا تتعلق برؤية مثالية لأوروبا وإنما هي تتعلق برؤيتها لمصالحها ونضجها وتجربتها التاريخية، التي تفرض عليها وعي مراعاة الخصائص المحلية وضرورات التنوع الحضاري.

في المقابل فإن أمريكا، وبدفع من الايدولوجيا "الثورية" للمحافظين الجدد الذين يعتقدون أن لأمريكا رسالة ينبغي نشرها، ترى بأنه ينبغي الشروع بتشكيل العالم على شاكلتها، مستغلة قوتها العسكرية ـ وتفوقها التكنولوجي، وهي تعتقد بأن الرؤية الأوروبية للتغيير تصدر عن قارة تعبت وشاخت؛ لذلك بلغ بها الأمر بها حد ابتزاز بريطانيا، وهي حليفها الصدوق في أوروبا، بامكان الذهاب لوحدها في غزو العراق!
ولعل هذا الاختلاف الأوروبي هو الذي جعل فرنسيس فوكوياما، صاحب نظرية "نهاية التاريخ"، يتحدث عن انهيار "فكرة الغرب" وعما إذا كان "الغرب" حقا مفهوما متماسكا..يقول فوكوياما:" هوّة عميقة تفصل بين الادراكين الاميركي والأوروبي للعالم..خطاب "محور الشر" شكل منعطفا حاسما في السياسة الخارجية الاميركية التي انتقلت من موقع ردع الإرهاب إلى موقع محاربته في شكل فاعل". أما روبرت كاغان (من أهم المنظرين في تيار المحافظين الجدد)، فيقول في مقال نشره أواخر العام الماضي تحت عنوان "الصدمة والرعب": "حان الوقت للتوقف عن الادعاء بأن الأميركيين والأوروبيين يتقاسمون رؤيا واحدة للعالم..إننا نتكلم هنا عن فوارق عميقة حول الدور الذي يجب أن تلعبه القوة العسكرية في السياسة الدولية وعلى ما يجب أن يكون عليه النظام العالمي الجديد..

أوروبا تعتمد الرؤيا <<الكانطية>> (الفيلسوف كانط) للعالم، وهي رؤية تفضل الرجوع إلى الدبلوماسية إلى التجارة والعلاقات الاقتصادية، كل هذه الأمور تعتبر بمثابة طرق سلمية بين الشعوب. أما الاميركيون فإنهم أقرب إلى نظريات <<هوبز>>: يجب أن تقوم أمة قوية بفرض النظام في هذا العالم.. هناك مقولة لأحد علماء النفس تقول بأن الرجال قدموا من كوكب المريخ والنساء من الزهرة..الأمريكيين قدموا من المريخ والأوروبيين من الزهرة: فكل واحد منهم يتحدث بلغة تختلف عن الآخر مما يعيقهم في التفاهم مع بعضهم..هناك غرب ثقافي سياسي واقتصادي لكن لم يعد هناك غرب استراتيجي"!

لقد انطلق غزو العراق فهل تنجح النظريات الأمريكية في المنطقة؟ وهل يستسلم العالم للنزوات العصابية المتغطرسة لمجموعة متطرفة في الإدارة الأمريكية؟ هذا ما ستبينه الأحداث القادمة.