الولايات المتحدة إذ تضيق الخناق على حركات المقاومة الفلسطينية/ خليل العناني(*)

الولايات المتحدة إذ تضيق الخناق على حركات المقاومة الفلسطينية/ خليل العناني(*)

بيد أنه من المفيد في هذه الفترة الحرجة من عمر المقاومة الفلسطينية المنظمة أن تراجع حركات المقاومة خطها السياسي والعسكري للتأقلم مع الوضع الجديد سواء في الأراضي الفلسطينية أو على مستوى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. وهو ما يعني التحرك علي مستويين هما:

إبداء موافقة مبدئية علي شروط "خارطة الطريق" لتفويت الفرصة علي الولايات المتحدة وإسرائيل لوأد المقاومة الفلسطينية ككل، باعتبار أن هذه الخارطة هي الأمل الأخير للإدارة الأمريكية الحالية، وقد تكون بمثابة فرصة لممارسة الضغط الأمريكي –المحدود- علي الجانب الإسرائيلي.

الإسراع في الدخول في حوار داخلي مع السلطة الفلسطينية وبقية الفصائل وإبداء الرغبة الجادة في التوصل إلي اتفاق، وذلك لتفويت الفرصة علي إسرائيل لبث نار الفرقة الداخلية وإفشال مخططاتها للاستفراد بالسلطة الفلسطينية.

وبشكل عام فإن المستجدات علي الساحتين الإقليمية والعالمية تتطلبان من حركات المقاومة الفلسطينية إعادة النظر في خططها وتكتيكاتها للتأقلم مع هذه الأوضاع الجديدة وبما لا يسمح بأي محاولة للقضاء عليها، وحتى لا تضيع أرواح الشهداء الفلسطينيين سدى.

______________________________________________

(* ) كاتب ومفكر مصري.
ثالثاً: محاولات عزل حركات المقاومة إقليمياً من خلال إظهارها بمظهر الرافض لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما قد يجردها من الدعم الشعبي العربي الذي تحققه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى" قبل أكثر من عامين ونصف.

وتحاول واشنطن من خلال ما سبق عزل حركات المقاومة كلياً وقطع أي محاولة قد تفضي إلي توفير الدعمين المادي والمعنوي لها تمهيداً للإجهاز الإسرائيلي عليها في أقل وقت ممكن وبأقل خسائر تذكر.

وغير خفي أن الضغوط الأمريكية تصب كلها في النهاية في مصلحة تل أبيب والتي تبدو متشددة حيال المضي قدماً في إحياء المفاوضات الثنائية الميتة أصلاً، فضلاً عن عرقلتها لتنفيذ "خارطة الطريق" وتفريغها من مضمونها.

وإذا كان البعض قد تفاءل بالتدخل الأمريكي –المنتظر- في قضية الشرق الأوسط من خلال قمة العقبة الأخيرة، إلا أن الواقع يشير إلي أن التحرك الأمريكي ليس بهدف تهدئة الأوضاع وضمان الحل السلمي للقضية الأزلية علي غرار ما يراه الكثير من كتابنا ومثقفينا، بل علي العكس لم يأت هذا التحرك –المتأخر- إلا لتحقيق حزمة من الأهداف الأمريكية الإسرائيلية لعل أولها وقف الانتفاضة الفلسطينية المسلحة ووأدها وهو ما رغبت فيه إسرائيل دوماً وعملت لتحقيقه ولكنها هذه المرة ترغب في أن يتم ذلك بأيد فلسطينية تتمثل في حكومة أبو مازن، وثانيها إلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني بحيث تصبح حكومة أبو مازن هي المسئولة عن أية خروقات للتحركات الثنائية نحو التهدئة خاصة وهي تعلم جيداً موقف حركات المقاومة من "خارطة الطريق"، وثالثها تضييق الخناق علي حركات المقاومة بحيث تصبح خير دليل على عدم جدوى مقاومة المد الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة والذي سينتصر في النهاية حسبما يرغب الأمريكيون والإسرائيليون، ورابعها -وهو الأهم- أن هذا التحرك يخدم إسرائيل أكثر من الفلسطينيين لأنه يزيل عن كاهل الإسرائيليين عبء القطيعة العربية الذي يطوق إسرائيل حيث باتت موافقة إسرائيل على خارطة الطريق والالتزام بتنفيذها يعني قبول العرب لإسرائيل والاعتراف بها ككيان طبيعي.

وقد ينجم عن هذه الضغوط بالنسبة للفلسطينيين عموماً وحركات المقاومة بشكل خاص نتائج سلبية نذكر منها أنها قد تؤدي إلى بث الفرقة في صفوف الفلسطينيين وإشعال نيران الفتنة الداخلية بين حركات المقاومة من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، خاصة في ظل غياب التنسيق بينهما ورفض حركات المقاومة ل"خارطة الطريق" التي تشترط إنهاء العنف من جانب هذه الحركات كخطوة أولى نحو إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة بحلول عام 2005.
فضلاً عن أنها قد تؤدي إلي خلق حالة من اليأس والإحباط في الداخل الفلسطيني مفادها فشل المقاومة الفلسطينية ككل وبالتالي عدم وجود مخرج سوى الرضوخ للشروط الإسرائيلية لإحلال السلام، وهو ما قد يترتب عليه أوضاع جديدة مثل التخلي عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين -التي تمثل الشغل الشاغل للإسرائيليين وعنصرا هاما في قبولهم لاستئناف محادثات السلام- وغيرها من القضايا الفلسطينية المصيرية.
باتت حركات المقاومة الفلسطينية المنظمة في وضع لا تحسد عليه بعد أن مارست –ولازالت- الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة عليها لعزلها عن مصادر دعمها الداخلية والخارجية، ويبدو أن واشنطن ماضية في طريقها لتكسير عظام هذه الحركات بشكل أو بآخر. كما تحاول الولايات المتحدة جاهدة تضييق الخناق علي حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي تحديداً، وقطع جميع الطرق أمام محاولاتهما المختلفة للقيام بحقهما المشروع في المقاومة.

وينبع الإصرار الأمريكي علي عزل هذه الحركات وتجريدها من أسلحتها المادية والمعنوية من واقع حقيقتين هما: الرغبة الأمريكية في المضي قدماً في إحياء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي المجمدة منذ زمن، وذلك من خلال ضمان تطبيق "خارطة الطريق" الأمريكية والقضاء علي أي معوق قد يحد من تنفيذها. والحقيقة الثانية هي محاولة تفريغ هذه الحركات من عناصر قوتها وذلك في إطار تهيئة الأوضاع لمناخ إقليمي جديد تتحدد معالمه وفقاً للرؤية الأمريكية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط ككل.

وقد تراوحت الأساليب الأمريكية للضغط علي حركات المقاومة بين وسائل داخلية وأخرى خارجية، فداخلياً تراهن واشنطن ومن خلفها تل أبيب علي استخدام محور (أبومازن-دحلان) الجديد لرد ع هذه الحركات والضرب بيد من حديد عليها لوقف عملياتها ضد الإسرائيليين، وذلك بغية تحقيق هدفين هما: توفير المناخ الملائم لعودة المحادثات وإنجاح "خارطة الطريق"، وتجريد هذه الحركات من غطائها الشعبي باعتبارها تعوق إحلال السلام المنشود للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء حسب وجهة النظر الأمريكية.

أما الوسائل الخارجية فهي عديدة نذكر منها: أولاً: وقف الدعم المادي الخارجي الذي يتدفق لحركات المقاومة من خارج الحدود الفلسطينية خاصة من بعض المنظمات الخيرية الموجودة بالولايات المتحدة تحت دعوى أنها-حركات المقاومة- منظمات إرهابية وهو ما يستوجب معه وقف أي تحويلات مالية مباشرة أو غير مباشرة لهذه الحركات. ثانيا: وقف التأييد المعنوي الذي توفره المظلتين السورية والإيرانية لحركات المقاومة وهو ما أوضحته زيارة كولن باول الأخيرة لسوريا والتحذيرات الأمريكية شديدة اللهجة التي تلقتها دمشق بضرورة وقف دعمها لحركات المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن محاولات واشنطن لفرض عقوبات على طهران وفتح ملفها النووي بهدف ثنيها عن دعم هذه الحركات حسبما تدعي واشنطن وتؤكده لها تل أبيب.