الى الصحفي ذيب حوراني في الاسر/توفيق ابو ارشيد

الى الصحفي ذيب حوراني في الاسر/توفيق ابو ارشيد

كنت أنتظر ذلك وربما الأسوء ... إذ أن صوت ذيب من داخل جنين وخلال حصار مخيمها في نيسان 2002 على وجه الخصوص , كان ميدانياً حقيقياً وفريداً وكفاحياً لدرجة كبيرة ( ..... بعد هدوء حذر في هذه الليلة ومع إقتراب الصباح دوت عدة إنفجارات متتالية أنهت الهدوء وبدأ إطلاق النار كثيفاً على إثرها ...) هذا ما قاله ذيب في صبيحة ذلك اليوم المجيد من أيام الصمود والبطولة بمخيم جنين عبر قناة المنار الفضائية ، إذ تبين بعدها مقتل ثلاثة عشر جندياً إسرائيلياً حاولوا التسلل عبر أزقة المخيم متوهمين ان الليل والتعب والإرهاق قد أخذ مأخذه من المدافعين عنه .

كل الشوارع والأزقة والحارات في جنين تعرف ذيب حوراني مناضلاً شعبيا أولاً وصحفياً ثانياً, مطاردا كما هم شبابها من بيت إلى بيت ومن حارة إلى حارة ، وما أن يلتقط أنفاسه متوارياً عن دبابات العدو حتى يفتح جهازه الجوال ويُرسل إلى العالم تقاريره عبر المنار من ساحة المعركة التي لم تنته بعد في جنين.....!

وحتى الساعة الأخيرة التي تمكن العدو فيها من أسره ومجموعة من أبطال الانتفاضة كان لا يزال ينتقل مطارداً من بيت إلى بيت ومن حارة إلى حارة ، وكانت تقاريره لا تزال تصل إلينا عبر المنار. وكان يعرف أنه مشروع شهيد مثل بقية الشباب ومثل والده الذي إستشهد وهـو لا يزال طـفلاً في الـثالثة من
عمره ... ( لا أعرف بأي مكان دفن أبي تراودنا أفكار أنه ربما وقع في الأسر في العام 1969 إثر عملية عسكرية بغور بيسان ، ولا يزال حياً في معسكر إعتقال سري لدى العدو ) هذا ما قاله لي ذيب في زيارته لعمان في عام 1999.

كنت أعجب لحماسته وصلابته وهو وحيد أمه وعندما استدعته أجهزة الأمن الأردنية للتحقيق بعد عبوره الجسر بجواز سفره الفلسطيني اختار بعناد عدم التعاون معهم مستنكراً استدعاءه وهو الذي قضى 4 سنوات في سجون الاحتلال في الانتفاضة الأولى، ( لا يحق للعرب أن يعاملونا هكذا ) كان يردد أيامها على مسامعي ولم تتحمله أجهزة الأمن الأردنية وأبعدته بعد عدة ايام إلى الجسر ثانيةً من حيث أتى .

وحماسته تلك وصلابته طالما أثارت لدي أسئلة عديدة حول واقع الفلسطينيين .. كيف يتسلق صغارهم العُزل في الداخل دبابات العدو دون أدنى خوف ويطاردونها كما تطاردهم كيف يقابلون الموت والأسر والاعتقال كمجريات يومهم العادي ، ويتعايشون مع الدمار الذي يلحق بحجرهم وشجرهم.

كل ذلك يجري والفلسطينيون في الخارج يقَبلون ويقِبلون على حياة أخرى يعرفون أنها ليست كريمة. تأملت التجمعات الفلسطينية الكبرى في الشتات ووجدت أن الفلسطينيين بالأردن مروا بحرب لا زالت اثارها ماثله للان والفلسطينيون في لبنان مروا بحرب أعنف وهاهم فلسطينيو الضفة والقطاع يخوضون حرباً أعنف بكثير مما جرى. والعدو يستفرد بالفلسطينيين كما يستفرد بالعرب ولا يمكنهم من خوض معركتهم مجتمعين ولمرة واحده , تلك سياسته الخبيثة والفعالة ولكن السؤال لماذا يمكنه الفلسطينيون والعرب من تنفيذها ؟

الصحفي ذيب حوراني بالأسر والاعتقال كما هم آلاف الفلسطينيين ، ولم يكن يوم اعتقاله يحمل سلاحاً , كان يحمل عدة الصحفي الميداني: قلم ودفتر، تلفون وكاميرا ثبت إن ذلك يُرهب العدو وأنصاره كما هو السلاح تماماً ، ولم يشفع زمن ( الديمقراطية والحرية ) لهذه الأدوات وربما كانت سـبباً إضافياً للتنكيل بصاحبها .

أخي ذيب ... إننا نتجول في شوارع عمان ودمشق وبيروت والقاهرة وعواصم ومدن أخرى مذهولين مما يجري .. نعم ... ولكن دون أن نقاسمكم مُر الحياة وعلقمها , مختَرَقين بقلق وحزن عميقين ليس بسبب ما نفعله ولكن بسبب ما يجب أن نقوم به ولا نفعل .