بداية انكسار الإجماع والأزمة القادمة../ حسن عبد الحليم

بداية انكسار الإجماع  والأزمة القادمة../ حسن عبد الحليم

المتتبع لأحداث العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولأقوال الساسة والعسكريين الإسرائيليين، يدرك أن هناك خللا ما ومسافة بعيدة جدا، بين ما يجري على الأرض، وبين التصريحات والأخبار التي ينقلها الإعلام، مدفوعا كالساسة والعسكر بروح الحرب السائدة في المجتمع الإسرائيلي، والرغبة في الانتقام، نتيجة للضربة التي تلقتها العنجهية العسكرية الإسرائيلية، وبسبب مخزون ألم قديم رافق المجتمع الإسرائيلي منذ الانسحاب هربا، أو الهرب انسحابا من الجنوب اللبناني.

الإعلام الإسرائيلي انساق بشكل كامل خلف طبول الحرب وحمل مزاميرها، وساهم في خلق هذه الروح المؤيدة للحرب، دون تحكيم العقل والموضوعية ودون الحفاظ على الأمانة الصحفية بمحاولة التحقق من التقارير التي يزوده بها الجيش.

تطل علينا المراسلة العسكرية للإذاعة الإسرائيلية العامة "كرميلا منشي" بتقارير يومية زودتها بها الدعاية العسكرية الإسرائيلية حول عدد منصات الصواريخ التي "أسكتها" الطيران الحربي الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، وهي بالعشرات كل يوم، ولكن من تحت الهدم والأنقاض لهذا القصف يتم انتشال جثث أطفال ونساء وأسر كاملة، وتقصف منازل مأهولة وورشات ومصانع ومحلات تجارية وطرق وجسور ومبان، وتهجر قرى بكاملها بكل ما يحمل ذلك من معاناة.

يأتي الإعلام الإسرائيلي بتقرير عن إصابة منصة صواريخ "بعيدة المدى"، لتصورها الفضائيات ويتبين أنها خلاطة باطون أو حفارة أو شاحنة مهجورة..... ويأتي بخبر قصف شاحنات محملة بالأسلحة على طريق دمشق بيروت، ليتبين أن الشاحنات تحمل الخضروات والمواد الغذائية، والأمثلة كثيرة..كثيرة.

هناك مكان ما في الضاحية الجنوبية لبيروت تدعي إسرائيل أن مكاتب حزب الله موجودة فيه، وقد تعرض للقصف حتى تم تدميره وتسويته في الأرض، في اليوم الثالث للعدوان، لكن الطيران الحربي الإسرائيلي استمر في قصف ذات المكان، كل يوم، عدة مرات، وجزم العسكريون الإسرائيليون ثم الصحفيون بعدهم، كمن يكتشف قارة جديدة، أنه المكان الذي يتحصن فيه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. يوم الخميس الماضي تصدر الصحافة العبرية خبر قصف المكان، مؤكدة إصابة أمين عام حزب الله في القصف الذي استهدف المكان، وليظهر الأمين العام لحزب الله في اليوم التالي، ويغرق الإسرائيليين بالتحليلات والاتهامات المتبادلة في أعقاب ضرب وتدمير بارجة حربية متطورة. ويجمعون "لم نكن نعلم!"

بالأمس فقط، بدأ نقاش غير ودي في الطاقم الأمني المصغر حول الأهداف التي أنجزها الجيش الإسرائيلي، وقد عقب أحدهم قائلا "قدمنا لقادة الجيش أسئلة كثيرة ولم نتلق عليها إجابات"، الأمر ليس غريبا لأن الجيش لا يملك الإجابات، وقد جاء تصريح يعود لنائب قائد الأركان كابلنسكي يوم أمس قال فيه "نحن لا نعرف ماذا دمرنا لحزب الله من ترسانة أسلحته". ثمانية أيام متواصلة من القصف على مدار الساعة، وبالتالي لا يعرفون ماذا يوجد لدى حزب الله؛ ثم لا يعرفون ماذا دمروا له، إذن، ماذا يعرفون؟! هم يعرفون فقط أن كثافة إطلاق صواريخ الكاتيوشا لم تخف، بل زادت. ويعرفون أين يسقط كل صاروخ بالتحديد.

هناك أشياء كثيرة يمكن أن تغيب تحت تأثير مشاعر الانفعال والغضب والانتقام، ومنها ما يجري حقا في ساحة الحرب، ولكن حينما يعود العقل ليعمل ولو بشكل جزئي أمام صدمات الواقع، ستبدأ الاتهامات والاتهامات المتبادلة.....

وقد بدأ الساسة والعسكر يدركون الفشل الذي يعتري حملتهم العدوانية، لذلك هم يحاولون تحقيق إنجاز معنوي ما قبل اضطرارهم إلى وقف العدوان، وهذا الهدف هو اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وأخذ هذا الهدف يتصدر أهداف عدوانهم، وأضيف بشكل رسمي بالأمس إلى أهداف العدوان في اجتماع الطاقم الأمني.

الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا تحسن الصمود لوقت طويل، خاصة إذا استمر قصف الكاتيوشا بنفس الوتيرة، وإذا تعرض الجيش لانتكاسات على ساحة القتال، وقد كانت ضربة الأمس التي قتل وجرح فيها جنود إسرائيليون بداية تحول غير مدرك لعقلية القوة والغرور وروح الحرب، التي غذاها قصف الطيران، وتقاريره عن إصابة الأهداف بدقة، وبداية كسر للإجماع الوطني، وقد بدأت بوادر هذا الكسر واضحة في تقارير مراسلي قنوات التلفزة العبرية حول اشتباكات وخسائر يوم أمس.

هل ستكون الأزمة القادمة هي إسرائيلية داخلية، وحزب الله ليس طرفا فيها ولا لبنان، أزمة حول تحديد الفشل ومن يتحمل مسؤوليته؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018