تبادُل الأسرى: ماذا بعد? /سليم الحص

تبادُل الأسرى: ماذا بعد? /سليم الحص

كان يوم تحرير الأسرى والمعتقلين اللبنانيين بحقّ يوماً تاريخياً مشهوداً. ان تسلّم دولة الغطرسة والتجبّر اسرائيل بصفقة على هذا القدر من اللاتكافؤ في عدد المحررين من الجانبين, فأمر ليس بالهيِّن. إن من يواكب عربدة اسرائيل منذ قيامها على ارض فلسطين, يمكن ان يتوقّع إقدامها على عمليات كومندوس في عمق الجوار العربي, داخل لبنان في هذه الحالة, لتحرير أسراها. وكونها لم تفعل ذلك يقودنا الى جملة استنتاجات:

منها ان اسرائيل, على الرغم من تمتّعها بأعتى جهاز استخبارات في المنطقة هو جهاز "الموساد", لم تستطع اكتشاف مكان وجود اسراها في لبنان. وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن "حزب الله" أتقن اللعبة فكان على مستوى التحدي للاستخبارات الصهيونية.

ومنها ان اسرائيل لم تكُن واثقة من نجاح عملية عسكرية تقوم بها لتحرير اسراها نظراً الى تحصُّن مواقع "حزب الله" في لبنان واستعداد مقاتلي الحزب للذود عنها. وهذا أيضاً دليل على ان المقاومة اللبنانية, على تواضع الامكانات العسكرية التي بحوزتها قياساً بما في حوزة اسرائيل, استطاعت تحييد سياسة القوة والغطرسة التي اعتادت ممارستها ضد العرب.

ومنها ان عملية تبادل الأسرى جاءت وسط اجواء في المنطقة تبشِّر بمرحلة جديدة في الصراع العربي - الاسرائيلي تتمحور على التفاوض وليس الحسم العسكري. والشواهد على ذلك متشعِّبة. فهاك تركيا تعرض التوسّط بين سوريا واسرائيل تمهيداً لاحتمال معاودة المفاوضات على تسوية بين البلدين, وهاك التحرُّك الذي يقوم به وزير خارجية مصر في التوسُّط بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس وزراء اسرائيل أرييل شارون. وهاك الرئيس السوري الشاب يتحدّث في مواقف متتالية عن استعداد سوريا للتوصل الى تسوية عادلة مع الكيان الصهيوني. ما أكثر المشكّكين في احتمال بلوغ هذه التحركات نتائج حاسمة بوجود شارون على رأس الحكومة الاسرائيلية وهو الذي يتصرّف على أساس أنّه غير مُضطر لتوقيع تسوية مع طرف عربي إلا إذا كانت مجانيّة, أي على شروط العدوان الصهيوني. ولكن احتمال عودة الحياة الى مسار المفاوضات على الجبهتين الفلسطينية والسورية, لا يمكن اسقاطه من الحساب وإن يكن غير مُرجّح.

وأجواء التسوية تتبدّى على المستويين الاقليمي والدولي الأعمّ. فالمراقب لا يستطيع تفسيراً لـ"قانون محاسبة سوريا" الذي سنّته أميركا سوى أنه, في توقيته, وسيلة من وسائل الضغط على سوريا دفعاً لها الى التساهل في شروطها للعودة الى طاولة المفاوضات مع اسرائيل حليفة اميركا.

وعناوين الصحف هذه الأيام حافلة بأخبار التواصل من وراء الكواليس بين ايران واميركا. وجاءت صفقات تبادل الأسرى في هذا السياق فشملت ليس فقط أسرى "حزب الله" بل أيضاً أسرى فلسطينيين ومن سائر الأقطار العربية. واللافت ان هذه الصفقة التاريخية تمّت بعد أيامٍ معدودات من حادث تفجير آلية اسرائيلية اخترقت الحدود الجنوبية اللبنانية, وذلك على يد "حزب الله". وكان الحادث يُنذر بتصعيد كبير من جانب اسرائيل, فلم يتحقق ذلك. ولعل ذلك كان أيضاً انعكاساً لهذه الاجواء التي تنشط فيها المساعي لاستئناف مسارات التسوية.

وكان لصفقة التبادل معنى مُهمّ آخر, هو أنه اذا كان جائزاً التفاوض على الأرض فلم لا يجوز التفاوض على البشر? والعكس أهم: اذا كان جائزاً التفاوض على البشر, أي على الأسرى والمعتقلين, فَلِمَ لا يجوز التفاوض على الأرض? أليس هذا ما فعلته مصر اذ عقدت تسوية لاسترداد أرضها المحتلة, وكذلك الاردن? لا بل وهذا ما بدأت سوريا به في أيام المغفور له الرئيس حافظ الأسد إذ قطعت المفاوضات حول الجولان شوطاً بعيداً ثم توقّفت عند نقاط معينة. بعبارة موجزة: ان تفاوض "حزب الله" مع اسرائيل, وإن بالواسطة الألمانية, لتحرير الأسرى والمعتقلين يمكن ان يمهِّد لمعاودة المفاوضات على المسارين الفلسطيني والسوري ومن ثم اللبناني.

جاء في كلام الرئيس اللبناني العماد اميل لحود, تعليقاً على اتفاق تبادل الأسرى إثر اعلانه, أنّ في هذه العملية اعترافاً اسرائيلياً بشرعية المقاومة التي يقودها "حزب الله". وهذا صحيح. فمن الذي سيصدِّق اسرائيل بعد اليوم اذا وصمت "حزب الله" بالارهاب? وهل كانت اسرائيل تفاوض حركة ارهابية أم مرجعية معترفاً بشرعيتها?

لا غلوف في القول إذن ان صفقة تبادل الأسرى يمكن ان تكون قد جاءت ممهِّدة لمعاودة المحادثات على سائر المسارات العربية. والسؤال هو: أي دور يمكن ان يقوم به "حزب الله" في تلك الحال, خصوصاً ان عملية التبادل اكسبته بعداً عربياً مشهوداً. وللحزب وأمينه العام السيد حسن نصر الله فضل التحدُّث ليس باسم اسرى الحزب, ولا بإسم سائر الأسرى اللبنانيين فحسب, بل المطالبة بالافراج عن الاسرى والمعتقلين العرب كافّةفي السجون الاسرائيلية. فكان بين المُفرج عنهم عدد كبير من الفلسطينيين وبعض السودانيين والمغاربة, وقد شملت المطالبة الأسرى الديبلوماسيين الايرانيين والاسرى الاردنيين ولو ان اسرائيل لم تستجب هذه المطالبة.

بين اللبنانيين من كان يرى ان المقاومة فقدت مبرر وجودها عند انجاز تحرير الارض عام 2000, باستثناء مزارع شبعا. وجاءت عملية التبادل لتظهر حاجة لبنان الى استمرار المقاومة التي لولاها لما تحرر الأسرى اللبنانيون والعرب. وتبقى المقاومة ورقة تفاوضية غالية لا يملك لبنان سواها عندما تَدقّ ساعة التفاوض.

الغصّة التي بقيت عالقة في عملية التبادل هي في سمير القنطار, عميد الأسرى اللبنانيين الذين لم تشمله العملية على ان يكون نجم مرحلة ثانية من التبادل. ولكن المشكلة هي أن مصيره يتوقف على تزويد اسرائيل معلومات عن الطيار الاسرائيلي رون أراد. وليس أكيداً ان "حزب الله" سيتمكن من الاستحصال على هذه المعلومات لتأمين الافراج عن القنطار.

اذا صحّ القول ان الاجواء العامة في المنطقة تؤشّر الى احتمال معاودة مسارات التسوية على كل الجبهات المتبقية, فاننا نعود الى التأكيد ان المصلحة القومية العربية تقضي بتوحيد جبهة التفاوض في الجانب العربي. وهذا يستوجب ارساء كل اسباب التنسيق والتكامل بين المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية, إذ لا يجوز ان يتوقّع الفلسطيني تسوية من دون السوري واللبناني, ففي ذلك ما هو بمثابة سحب البساط من تحت أقدامهما, كما لا يجوز ان يوقّع السوري واللبناني بمعزل عن الفلسطيني لأن ذلك سيكون بمثابة التخلي عن قضية العرب المركزية في فلسطين وفي ذلك منتهى الخذلان للفلسطيني وسائر العرب.

ناهيك بأن الموقع التفاوضي في كل المسارات سيكون في الجانب العربي أقوى في حال ترابط المسارات منه في حال تفرّدها. فالتفاوض لا يكون جدياً الا اذا كانت في يد المفاوض العربي أوراق تفاوضية, أي اذا كان في يده ما يستطيع تقديمه في مقابل ما يطالب به. فالمفاوض الفلسطيني يمتلك ورقة الانتفاضة أي ورقة أمن اسرائيل وهي ورقة غالية, وفي يد السوري ورقة انهاء حال الحرب ليس إلا, وهي غير كافية ما دامت الجبهة هادئة, وفي يد اللبناني مقاومة "حزب الله". هذا بالطبع الى ما في حوزة المفاوض العربي من أوراق تتمثل بالقرارات الدولية التي تعترف بالحق العربي. هذه الأوراق تشكّل في حال تجمعت قوة تفاوضية لا يستهان بها, ولن تتجمع الا بسلوك طريق التنسيق والتكامل بين المسارات, أي بالاعتصام بمبدأ تلازم المسارات الثلاثة.
( النهار - 1/2/2004)