تعويضات وكرامة قومية../ أحمد أبو حسين

تعويضات وكرامة قومية../ أحمد أبو حسين

هل حقا إسرائيل دولة ديمقراطية؟.. أم تقتصر ديمقراطيتها على اليهود فقط؟ أم هي دولة الرفاة والمساعدات الإجتماعية واللعب على القانون؟.. إلى أي حد نستطيع أن نشد حبل القانون؟ متى نذهب إلى المحكمة الإسرائيلية لطلب "النجدة"؟ ما معنى المصالحة مع الدولة؟ ما معنى الولاء لدولة تقتل مواطنيها؟.. ما معنى المصالحة والإتفاق مع دولة تقتل متظاهر عربي؟.. وما معنى الولاء للأمة العربية؟.. ما معنى الولاء للشهداء؟.. هل هناك "ملكية" روحانية ومكانة للشهداء عند الناس أم هم ملك عائلاتهم فقط؟.. وهل يحق لذوي الشهداء أن "يغلقوا" ملفا سياسيا دون العودة الى مرجعيات وطنية عليا تضبط سلوك وحركة لجنة ذوي شهداء؟.. مَن الذي خوّل الأهالي التعامل مع ابنائهم الشهداء كملف أضرار؟.. هل قتلوا في حادث طرق أم في حادث عمل.. أم بالصدفة؟.. نسأل هذه الأسئلة بعد أن قرأنا بيان الناطق بلسان وزارة القضاء، والذي وُزع على غير عادة يوم الخميس على وسائل الإعلام العربية المحلية عشية إغلاق أسبوعيات الجمعة بشأن إتفاق تعويض بين ذوي " قتلى أحداث أكتوبر 2000 وبين دولة إسرائيل "مع التأكيد على أن دولة إسرائيل ستعوّض الأهالي بمبلغ متفق عليه بين الأطراف ليس بدافع أحكام القانون إنما بدافع "ألإحسان والمنة" أو على الأصح "ضحك على الذقون"، برغم موقفها المبدئي في عدم مسؤوليتها عن الأضرار الناجمة من "الأحداث"، ودون أن أن تعترف بإدعاءات المدّعين كما جاء في البيان.

قد ينزعج أهالي الشهداء من سؤال الشارع.. لماذا نحوّل قضية الأبناء إلى قضية مالية ومفاوضات حول مبالغ تتراوح بين مليون دولار إلى اثنين، ثمن 11 شهيدا، دون الإعتراف بمسؤولية الدولة.. هل هذا يكفي؟ ولماذا دفعت الدولة هذا المبلغ أصلا؟ وما هي أهدافها؟ وماذا يعني بيان وزارة القضاء الإسرائيلي أن الدولة وأهالي "القتلى" أبدوا نوايا حسنة" في إغلاق الملف "بسرعة غير مسبوقة"؟.. وقد يحتج والد شهيد بسؤال من يعوّضني عن قتل ابني؟؟ نقول له صراحة وبدون خجل وتملق أن آلاف الشهداء سقطوا من أجل الحرية والكرامة القومية.. العشرات يقتلون يوميا في غزة والمئات في بغداد. وفي الوقت نفسه يجب أن لا نسقط من حساباتنا أي إمكانية حصول على حق حتى لو كان من إسرائيل شريطة عدم المساس بكرامة الناس والشهداء الأحياء. ( أنظر التأكيد على عدم المسؤولية والإعتراف وكأنهم فعلا قتلوا صدفة أو وقعوا من على سطح عمارة). وما اتفق عليه مع ذوي الشهداء، ما عدا عائلة عاصلة وعكاوي، يعيد إلى الأذهان الأفلام المختلفة عن ألاعيب مافيا التعويضات.

كان من المهم أن يخوض ذوو شهداء هبة القدس والأقصى في أكتوبر 2000 معركة قضائية من أجل التأكيد على عدم الفصل بين المواطنة والكرامة القومية، كان مجديا حسب اعتقادي أن نطالب بلجنة تحقيق رسمية مع التأكيد على معرفتنا المسبقة في حينه أن إسرائيل "ستقلب الأمور على رأسنا" قضائيا، وأن هدف المعركة هي إعلامية وسياسية بالأساس، وهكذا فعلت قبل وبعد صدور قرارات لجنة التحقيق عندما اتهمت "المتطرفين العرب" بالتحريض على الهبة، وجنّدت معها في حينه "عملاء عرباً إسرائيليين" للتحريض على "الحركة الوطنية". وقد أثبتت قرارات لجنة التحقيق ومعها كل الملاحق والمسوّدات أن مواطنة العربي الكاملة في إسرائيل غير ممكنة.. لذلك لا حاجة للإجتهاد والمراهنة حتى على مدرسة الليبرالية الإستعلائية التي شرعنت التعذيب والإبعاد في قرارات حكم محكمة العدل العليا ( أنظر أهرون براك بيوغرافيا، نعمي لفيتسكي، دار نشر كيتر 2001).

ومثلما توصل بعض العرب بعد سياق لجنة "أور" من مداولات وقرارات على أن مواطنة العرب غير ممكنة فقد أكدت الإتفاقية أن الكرامة القومية للعرب في الداخل قد تعرضت الى إهانة. وهو ثمن تعميم ثقافة اتباع "سياسة التوازن الوهمي".. بمعنى النضال هناك والمهادنة والتملق هنا، أو البحث عن القاتل من جهة والإتفاق معه على أنه ليس قاتلا مقابل تعويض، لذلك لا بد من تكرار الاسئلة: هل هناك مرجعية وطنية عليا للعرب في الداخل تتحكم في الشارع وتضبط سلوك القوى والأحزاب والفعاليات والناشطين الوطنيين؟.. وهل هناك مرجعية جدّية احتضنت لجنة ذوي شهداء هبة القدس والأقصى كما يجب؟ هذه أسئلة الحركة الوطنية أصلا والجواب عليها يكمن بالتنظيم وليس مجرد نشر الكتابات الإسهالية والمواقف "التقليدية" والندّية والتي تنشر في الإسبوعيات مثل مادة إعلانية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018