حرية الرأي والتعبير كأحد مقومات الممارسة الديمقراطية/د.نزار ايوب

حرية الرأي والتعبير كأحد مقومات الممارسة الديمقراطية/د.نزار ايوب

تندرج حرية الإنسان في الرأي والتعبير في سياق قائمة واسعة من الحريات المدنية والسياسية، فهي تمثل شرطاً أساسياً لتكوين شخصية الإنسان الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية، إضافة لأنها تشكل الأرضية الأساسية القادرة على تمكين الأفراد من تكوين قناعاتهم الذاتية المتعلقة بشتى الأفكار السائدة في مختلف المجتمعات. وتقترن حرية الرأي بحرية أخرى هي حرية التعبير، بحيث تتلازمان لدرجة انه أضحى من الاستحالة الفصل بينهما أو ممارسة إحداهما دون الأخرى.

أولت هيئة الأمم المتحدة منذ قيامها موضوع حقوق اهتماماً خاصاً، حيث شرعت فور قيامها بوضع الأساس القانوني لمنظومة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وذلك من خلال تبني وإصدار الجمعية العامة في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نظم المبادئ العامة للحريات والحقوق الأساسية، وأقر المعايير الأساسية الواجب توفرها لضمان حقوق الإنسان ومن ضمنها حرية الرأي والتعبير.

ولقد أضحى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصدراً للتشريع، وأدمجت نصوصه ذات العلاقة بحرية الأشخاص في الرأي والتعبير في معظم الدساتير والقوانين الوطنية. وكان للإعلان دورا هاما ومميزا على صعيد تطور القانون الدولي المعاصر فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية –الجماعية والفردية، فيجسد السند، والأساس القانوني لمجموع مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان الدولية اللاحقة عليه والمتمتعة بالقيمة القانونية الملزمة بمواجهة الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، وأوجدت الآليات الضرورية لفرض احترامها ولمراقبة مستوى تنفيذ الدول الأطراف لالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقيات.

وبالرجوع لموضوع حرية الرأي، يمكننا القول بأن لهذه الحرية علاقة وثيقة بحرية التعبير، فهما متلازمتان ومكملتان لبعضيهما البعض، بحيث تعتبران وجهان لعملة واحدة يعبر مضمونيهما عن الحرية في البحث والاستقصاء عن المعلومات وتلقيها ونقلها بشتى الوسائل دون التقييد بالحدود الجغرافية.

جاءت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتحدد نطاق حرية الرأي والتعبير بنصها على التالي:
"لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود".

وبعد تبنيها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان عملت الأمم المتحدة على تحويل المبادئ التي جاءت فيه إلى مواد اتفاقية ذات صفة إلزامية في مواجهة الدول المصدقة عليها، حيث أثمرت جهود لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم عن وضع مشروع اتفاقيتين، الأولى تتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والثانية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واللتان أقرتهما عام 1966 ودخلتا حيز النفاذ فور توفر شرط الحد الأدنى من الدول المصدقة على كل اتفاقية وهو 35 دولة وذلك عام 1976.

التزمت الدول الأطراف في العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن توفير الحماية القانونية للأشخاص الموجودين في إقليمها، وأقرت حرية الرأي والتعبير والفكر والوجدان والدين، والحق في التجمع السلمي، وذلك دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو غيرها.

ينبغي التأكيد على أن هذه الحريات تعتبر من جملة الحقوق والحريات الأساسية للإنسان وهي مرتبطة ببعضها البعض، وأنه يتوجب ضمانها بموجب المواثيق العالمية والتشريعات المحلية يعتبر شرطا ضروريا لضمان الممارسة الديمقراطية داخل المجتمعات، فحرية الفكر والوجدان والدين تدخل ضمن نطاق الحريات المدنية والسياسية، ويرجع النضال من أجلها إلأى تاريخ ظهور الحضارة الإنسانية وصولاً لتجسيدها مؤخرا في صلب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1969 وتحديدا في المادة 18 من العهد التي تنص على أنه "لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره..،وأنه لا يجوز تعريض أي أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما ...، وعدم إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين أو حرياتهم الأساسية".
وبدوره يعتبر الحق في التجمع السلمي أحد شروط الممارسة الديمقراطية، فلولاه لما كان بمقدور الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمنظمات الأهلية العمل بحرية وفعالية والتعبير عن آرائها ومواقفها من سائر القضايا التي تهم المجتمع ومناقشتها وتوصيلها للناس، وهنا يبرز الارتباط المباشر والوثيق بين حرية التعبير عن الرأي وبين الحق في التجمع السلمي ذو الطابع الجماعي الذي تمارسه مجموعة من الأشخاص بغض النظر عن عددها في الأماكن العامة والخاصة وبصورة علنية كما جاء في المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن "يكون التجمع السلمي معترفا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض وفقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم".

وفيما يتعلق بمكانة حرية الرأي والتعبير، فقد أولى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذه الحرية أهمية ومكانة خاصتين، حيث نظمت المادة 19 منه هذه الحرية بأن نصت على التالي:

1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2 - لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دون ما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أ‘أخرى يختارها.
3 - تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون لتقتصر على الحالات التالية:
(أ) - لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
(ب) - لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

وبمقارنة مضمون المواد الناظمة لهذه الحرية على صعيد الإعلان العالمي والعهد الدولي، يمكننا القول بأن هنالك تماثل شبه كامل بين تلك التي تتناولها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وتلك الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولعل الفارق الوحيد بهذا الخصوص يكمن في التوسع الذي تميز به العهد الدولي حال استعراضه لمضمون هذا الحق.
ويستدل من النص الوارد في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن هنالك حقان متلازمان ومتمايزان في نفس الوقت، هما حق الأفراد في اعتناق الآراء، وحقهم في التعبير عنها. فالحق الأول يتعلق بحرية اعتناق الرأي دون مضايقة أو تدخل من أي جهة كانت بما في ذلك الدولة وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والحق الثاني يكمن في حرية التعبير عن الرأي في الحدود التي يجيزها القانون.

يستنتج من ذلك أن مساحة الحرية في اعتناق الآراء تعتبر من مطلقات شخصية الإنسان دون تدخل مخل من جانب السلطات والأفراد، بما يمكنه من تحديد مواقفه السياسية وبالتالي انتمائه لحزب أو لمؤسسة اجتماعية معينة، لتكتسب بذلك حرية اعتناق الآراء دون مضايقة أهمية خاصة باعتبارها أحد شروط الممارسة الفعلية للديمقراطية.