حملة السطو الإعلامي في كامل عريها/ أنطوان شلحت

حملة السطو الإعلامي في كامل عريها/ أنطوان شلحت

يبدو أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان قد طاولتنا برشاشها، في أحد جوانبها المجازية، وذلك لناحية الفقدان البات لـ"قدرة الردع" أمام مجموعة من لصوص الإعلام المحليين، الذين ما من شغل شاغل لهم سوى التربّص الجنائي بالمواد التي نكتبها أو نقتبسها أو نترجمها أو... أو... سواء في هذا الموقع الإلكتروني أو في غيره. فما إن تنشر حتى يخفّ هؤلاء إلى السطو عليها "دون أحم ولا دستور" وإلى مهرها إما بتوقيعهم الصريح تارة، وإما بـ"توقيعهم الوظيفي" تارة أخرى وإعادة نشرها، دون وازع من ضمير، بل حتى دون أدنى قدر من الاستقامة المهنية أو الاحترام لملكية الغير الفكرية، المنصوص عليها في الشرائع كافة.

ولا أريد التساؤل- حتى مجرّد التساؤل- عن دور التحرير، بالذات خارج الحدود، في إلقاء القبض على اللصّ متلبّسًا بالجرم المشهود ومعاقبته على ما اقترفت يداه، لأنني أفترض أن هذه الجهة تتوسّم، في لاوعيها إن لم يكن في وعيها التام، الأمانة والصدقية في من اختارته أو فرض عليها ليكون مندوبًا عنها، تغدق عليه المال والسمعة والسيرة المهنية، ولا تتوقع في أسوأ كوابيسها أن يخون الأمانة ويدوسها بجزمته.

لكن- استدراكًا- هل كانت "قدرة الردع" هذه قائمة وفاعلة قبلاً؟ هل هي موجودة أصلاً؟.

طبعًا لا.

ويعني ذلك، ضمن أشياء أخرى، أن فعلة السطو بحدّ ذاتها لم تولد الآن، غير أن سرعة الأحداث وتواترها على مدار الساعة هو ما كشف النقاب عن كثافة حملة السطو الإعلامي هذه، التي تتبدّى هذه الأيام في كامل عريها، ولا تدّل على شيء أكثر من تدليلها على سقوط أخلاقي مريع وعلى لهاث وتكالب وراء الربح السريع وعلى كسل ذهني متأصّل وعلى سعي موهوم خلف استدرار قامات أطول من القامات الحقيقية لهؤلاء السطاة الأقزام، الأقزام فعلاً. وكل ذلك حتى لا نقول إنها قد تدلّ على "ثقافة" راسخة، فنسيء ونؤدي إلى إساءة الظنّ بمجتمع بأكمله.

وللمعلومية: خلال الشهر الأخير فقط تراكمت في جعبتنا قائمة من الصعب حصرها على نماذج مفضوحة من عمليات السطو هذه... وربما يحين الوقت لنشرها على الملأ في المستقبل، لأن التلوّث الذي بات يلحقه هؤلاء بمهنة الإعلام عمومًا وبأخلاق هذه المهنة خصوصًا أصبح منذ زمان فائضًا عن القدرة على الاحتمال، التي لا توازيها قدرة الردع أهمية وخطورة.

لكن قبل أن يحصل ذلك نأمل أن تصل هذه الكلمات إلى جميع المعنيين- وهم يعرفون أنفسهم جيدًا- فيرتدعون عما هم سادرون فيه من غيّ وخطايا واستباحة لجهد وعرق غيرهم... وإلا فستكون لحملة الردع وسائل أخرى.

وفي هذا السياق ربما توفر هذه القائمة "مادة دسمة" للهيئة المنبثقة عن "مركز إعلام"، والتي تنكب في الفترة الأخيرة على إعداد ميثاق أخلاقي للإعلام العربي في هذه الديار، يكون في صلبه التزام لا يرّد أولاً ودائمًا بالأخلاق، التي إن فقدناها نفقد كل شيء، هذا إذا لم نكن قد فقدنا الكثير من جرّاء هذه الظاهرة الفاسقة والخطيرة.

إن إعداد "ميثاق أخلاقي للإعلام العربي" هنا هو مهمة مستحقة، ليس في ضوء عمليات السطو التي لا تكل فحسب. ولا يمكن أن يقوم أحد بهذه المهمة الصميمية نيابة عنا. وقد جاءت وقائع الأيام الأخيرة بمثابة تزكية لها وإلحاح عليها، وهي الملحة أصلاً ارتباطًا بظواهر وبائية أخرى في إعلامنا ليس هنا مكان الخوض فيها، وإن أضحت هي أيضًا بحاجة إلى علاج جذري لا يتلهى عن الأسباب الحقيقية الواقفة خلفها، والتي عادة ما يجري الحديث عنها إما همسًا وإما على استحياء، بما لا ينفع في صدّها مرّة واحدة وأخيرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018