حول القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني/د.نزار ايوب

حول القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني/د.نزار ايوب

حقوق الإنسان هي ظاهرة تاريخية ملازمة لتطور البشرية وارتقائها على مدار آلاف السنين ، كذلك هي مركز اهتمام الأفكار والعقائد السياسية والحقوقية والأخلاقية والدينية والفلسفية. فخلال المراحل والحقب التاريخية المختلفة والمتنوعة، بقيت مسألة حقوق الإنسان ذات طابع سياسي - حقوقي ، رغم اتخاذها أشكالا دينية وأخلاقية وفلسفية مختلفة وذلك تبعا للتوجهات الاجتماعية – الاقتصادية للسلطة والطبقة التي تمثلها.

جسد عصر النهضة والثورات البرجوازية - الديمقراطية التي واكبته في القرنين السابع والثامن عشر محطة هامة خلال مسيرة تطور وارتقاء حقوق الإنسان، إذ تبنت تلك الثورات الكثير من الشعارات والمبادئ التي نادت باحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وأهمها على الإطلاق، مبدأ المساوأة الذي أضفى عليها بعدا ديمقراطيا.

ومثل منتصف القرن العشرين مرحلة حاسمة على صعيد تطور وارتقاء حقوق الإنسان ومستوى حمايتها. فنتيجة للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية طوال الحرب العالمية الثانية، خرجت مسألة حقوق الإنسان من نطاق الاختصاص شبه المطلق للدولة وحازت على اهتمام المجتمع الدولي بأن أخذت بعدا دوليا تمثل بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف بشأن حماية ضحايا النزاعات المسلحة لعام 1949، وتجلى بوضع وإقرار المجتمع الدولي بواسطة الأمم المتحدة لعشرات الاتفاقيات والمواثيق الدولية الهادفة لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في السلم والحرب.

هنالك إجماع بين فقهاء القانون على العلاقة المتبادلة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فرغم أوجه الشبه والأشياء المشتركة بينهما، يبقى كل منهما بحد ذاته فرعا حديثا ومستقلا من فروع القانون الدولي المعاصر تسري قواعده وأحكامه في حالات وأوقات محددة سواء في حالة السلم أوالحرب، أو في كلتا الحالتين معا.

وتظهر أوجه الشبة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال المبادئ المشتركة بينهما كالحق في الحياة واحترام الفرد وحياته وسلامته الشخصية، وحظر تعريض الإنسان للتعذيب بكافة أشكاله أو للمعاملة القاسية واللاإنسانية، وحظر التمييز بكافة أشكاله ولأية أسباب.

وتكمن أوجه الاختلاف بين النظامان القانونيان في اقتصار دور قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني على حماية حقوق الإنسان إبان النزاعات المسلحة، ليتسع نطاق الحماية التي يوفرها القانون الدولي لحقوق الإنسان بحيث تشمل حماية حقوق الإنسان أثناء الحرب والسلم، مما يعني خروج موضوع حماية حقوق الإنسان في أوقات السلم والحرب من نطاق المسائل التي اعتبرت لوقت قريب شأنا داخليا يقع ضمن سيادة الدول وفي دائرة اختصاصها، لتصبح ذات صفة دولية فرضت التزامات وواجبات على عاتق الدول الأعضاء في المجتمع الدولي.

تطور كل من النظامان القانونيان عبر فترة طويلة من التاريخ ليدخلا حيز التدوين في القرن التاسع عشر. وفي حين يرجع تدوين قواعد وأحكام القانون االدولي الإنساني لعام 1864، بدأ تدوين القانون الدولي لحقوق الإنسان بشكله المعاصر مع إنشاء منظمة الأمم المتحدة وإقرارها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.

مقارنة بالمصطلحات التي درجت معظم الكتابات والمؤلفات القانونية على استخدامها في السابق مثل "قانون المنازعات المسلحة" و/أو "قانون الحرب" فإن لفظة القانون الدولي الإنساني هي حديثة الاستخدام، إذ بات هذا المصطلح مألوفا وشائعا بعد أن تم تضمينه في عنوان المؤتمر الدبلوماسي المعقود بجنيف في الفترة ما بين 1974 و 1977 ، والذي تمخض عنه إقرار البروتوكولين الإضافيين إلى اتفاقيات جنيف لسنة 1949، ومنذ ذلك الحين أصبح استخدام مصطلح القانون الدولي الإنساني شائعا في المؤلفات الفقهية والمحافل والمؤتمرات الدولية وفي إطار عمل ونشاط المحاكم الدولية .

من حيث الجوهر، هنالك تطابق بين وجهات نظر فقهاء القانون الدولي فيما يتعلق بتعريف القانون الدولي الإنساني وصياغة أهدافه، إذ تجمع غالبية الآراء على أن القانون الدولي الإنساني هو فرع أساسي من فروع القانون الدولي المعاصر الذي يهدف لحماية ضحايا النزاعات المسلحة من ويلات الحرب والتخفيف من الآلام التي قد تلحق بهم نتيجة هذه الحرب سواء كانت دولية أم محلية .

وعلى هذا الصعيد ، يكتب الأستاذ جان بيكته في معرض تعريفة للقانون الدولي الإنساني قائلا : "أن القانون الدولي الإنساني هو ذلك القسم الضخم من القانون الدولي، الذي يستوحي الشعور الإنساني ويركز على حماية الفرد الإنساني في حالة الحرب " ، وهو يستهدف تنظيم الأعمال العدائية وتخفيف ويلاتها". ومن جملة ما تتوخاه القواعد والأحكام التي نص عليها القانون الدولي الإنساني إلى التقليل من المعاناة التي تلحق بضحايا النزاعات المسلحة من العسكريين العاجزين عن القتال، والأشخاص الذين لا يشتركون في العمليات العدائية، والذين يقعون تحت رحمة العدو سواء أكانوا مدنيين أم جرحى حرب أم مرضى أم غرقى أم أسرى حرب .

ويعرف عامر الزمالي القانون الدولي الإنساني بأنه " فرع من فروع القانون الدولي العام تهدف قواعده العرفية والإتفاقية إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح ، وما ينشأ عن ذلك النزاع من آلام ، كما تهدف إلى حماية الأموال التي ليست لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية ".

يتضح من نصوص التعريفات والمفاهيم السالفة الذكر، أن القانون الدولي الإنساني الذي يشكل بدوره فرعا هاما وأساسيا من فروع القانون الدولي المعاصر يعنى بتحديد استخدام القوة والعنف أثناء النزاعات المسلحة بما يفضي إلى حماية ورعاية الأشخاص غير المشاركين في العمليات العسكرية كالمدنيين، وأولئك الذين ألقوا أسلحتهم بحيث أصبحوا عاجزين عن المشاركة في الأعمال الحربية كالأسرى والجرحى والمرضى التابعين لقوات العدو . كما أن القانون الدولي الإنساني حدد طرق وأساليب استخدام القوة خارج نطاق النظريات الخطرة والمضللة القائلة " الكل أو لا شئ " و " عندما تدوي المدافع تصمت القوانين " ، فجعل استخدام أطراف النزاع للقوة أو العنف في إطار ما تقتضيه الضرورة لإضعاف وتعطيل قوة الخضم العسكرية وبالتالي إخضاعه وتحقيق النصر في المعركة وإخراجه مهزوما منها.