دنيا نجيب محفوظ.. / أحمد أبو حسين

دنيا نجيب محفوظ.. / أحمد أبو حسين

" كم عدد أصحاب الملايين؟ الأقارب والأصهار والطفيليون.. المهربون والقوادون والشيعة والسنة.. حكايات ولا ألف ليلة وليلة.. الإستيراد بدون تحويل عملة.. أنواع الجبنة.. البنوك الجديدة.. بكم البيضة اليوم؟ والنقوط في ملاهي الهرم.. ماذا قال إمام الجامع على مسمع جنود الأمن المركزي؟ لا مرحاض عام في الحي كله.. لم لا نؤجرها مفروشة؟ ما هو إلا ممثل فاشل.. وضرب المفاعل العراقي؟ صديقي بيغين.. صديقي كيسنجر.. الزي زي هتلر والفعل شارلي شابلن.. ويسود صمت شامل ريثما تذهب إمرأة قادمة من الطريق إلى بيت دعارة وراء المقهى، وتعقد مقارنة بين تضخم عجيزتها والتضخم المالي!.. متفائل يؤكد أنها تشتغل لتجمع رسوم رسالة الدكتوراه وأن قلبها أنقى من الذهب.. لا خلاص إلا بالخلاص من كامب ديفيد".

هذا كلام "كتبه" نجيب محفوظ في "يوم قتل الزعيم " بعد مقتل الرئيس أنور السادات، كتبه وهو "جريح القلب والكرامة" في مقهى "ريش" وسط البلد (القاهرة) التي تعوّد أن يرتادها كل صباح. كان واضحا له آنذاك أن لعبة السلام تتكشف عن تسليم ما، وهو يراقب حركة السيّاح الإسرائيليين وأضواء ميدان طلعت حرب أصبحت مثيرة للأعصاب، نقتبسه هنا لا لكشف قدرتة التصويرية للحياة المصرية، ولا للحديث عن واقعيته، فهو مؤسس الرواية العربية بإمتياز وأحد علماء الكلام (حكائي) من الدرجة الأولى، له أسهم وتأثيرات لها ما بعدها في صياغة شخصية المواطن العربي الصافنة أمام التلفزيون ليل نهار، وأعمال وعالم ودنيا نجيب محفوظ تعرض يوميا وتختصر في زمن العولمة حتى في خلخال وجلابية "بنت بلد" تعرض سيقانها في كليبات غنائية تنافس في حركاتها الإغرائية سماجة فتيات أخريات "اقتطفن عن الشجر" يرقصن وراء "مطرب" خليجي يرتدي "الدشداشة".

نجيب محفوظ، الرواية والقصة القصيرة، الثلاثية وأولاد حارتنا، السينما والأحياء الشعبية، زحمة السيارات "والأغاني تنطلق من التاكسيات" وكباريهات النيل، الفتوات والجبلاوي، المرأة والحب والإثارة وقصر الشوق، الفقراء والطبقة الوسطى والانتهازية وكمال عبد الجواد إبن "سي السيد"، الناس والقاهرة، قاهرة نجيب محفوظ هي القاهرة التي نعرفها منه، "مصر أم الدنيا" ولأنها كذلك لم يتركها يوما، كشف لنا أسرارها وأسرار بناتها وحاراتها وأحيائها الشعبية و"لعبة كل المدينة"..

نقصد من وراء الإقتباس من "يوم قتل الزعيم" كشف مساحة المناورة التي لعب فيها إبن "إبراهيم عبد العزيز الباشا" دورا للتحايل على السلطة السياسية لنشر موقفه، وقف مع السادات في مبادرته، لكن بعد مقتله كتب يقول إن "الموت أنقذه من الجنون"، كان يداهن النظام، يتأرجح بين "مثقف السلطة" و"المثقف الإصلاحي"، كان يصل حدود الأولى في الموقف السياسي ويتعايش مع الثانية في الموقف الأدبي والأخلاقي، "تتذبذب" مواقفه وفق المرحلة، جريئا وانتهازيا في آن، كان يعرف متى يوجه سهامه، نال من عبد الناصر والمرحلة الناصرية، لكنه لم يتعرض للإعتقال، لم يمنع له كتاب، حتى أن "أولاد حارتنا" نشرتها الأهرام أيام هيكل في العام 1958 على حلقات. يتراجع كسلوك "البرجوازي الصغير" عن موقفه عند رحيل الحاكم لكنه يعود عودا أحمد، يسجل موقف أولاد الحارة الذين ينحاز لهم، ويكتب العرائض والشكاوى للمظلومين منهم.

نجيب محفوظ روائي حكايات الحارة المصرية، حكايات أم الدنيا التي رواها في دنياه. غاب في زمن الغياب، كان يروي في زمن الهزائم.. يقول محفوظ " نحن قوم نرتاح للهزيمة أكثر من النصر، فمن طول الهزائم ترسبت نغمة الأسى في أعماقنا، فأحببنا الغناء الشجي والمسرحية المفجعة والبطل الشهيد"..

لن نقل سقوط "هرم" كما يبالغ إخواننا المصريون، خوفا على ما تبقى من أهرامات حقيقية، فرحيله رحيل، وموته "المعلن" خسارة فادحة للثقافة العربية. لن نسمع بعد الآن زقزقة عصفور يغرّد كلام له معنى.. "عن أرض سمراء وقاهرة وضفة ونهر ومراكب.. ورفاق مسيرة عسيرة.. وصورة حشد.. ومواكب في عيون صبية بهية عليها الكلمة والمعنى"..

يا مصر قومي وشدّي الحيل...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018