رايس واستثمار الخوف../ د.جمال زحالقة

رايس واستثمار الخوف../ د.جمال زحالقة

تأتي زيارة رايس إلى المنطقة لاستثمار الخوف الذي أصاب الأنظمة العربية بعد فشل العدوان الإسرائيلي وصمود الشعب والمقاومة في لبنان، وتوظيف الرعب الذي دب في هذه الأنظمة من تداعيات هذا الفشل وذاك الصمود. وبلغة الإدارة الأمريكية حصلت خلال وبعد الحرب ما تسمى بـ"صحوة المعتدلين"، الذين يبدون اليوم أكثر استعداداً للتعاون والانسجام مع الاستراتيجيات الأمريكية وحتى الذوبان فيها. والحقيقة أن هناك صحوة، لكنها صحوة مذعورين من كابوس شعوب تحذو حذو صمود شعوب، إنه كابوس عدوى الصمود و"دومينو" الصمود.

رسمياً، قالت رايس بأن زيارتها ستكون لما تسميه "الأنظمة المعتدلة"، للتشاور وتبادل الآراء معها حول الأوضاع في المنطقة. هدف رايس هو تحفيز "المعتدلين" الخائفين على تكثيف وتنسيق دعمهم للمعتدلين المحشورين في لبنان والعراق وفلسطين، وهدفها أيضاُ هو ترتيب محور مضاد للقوى التي أعلنت عنها أمريكا أنها قوى معادية والمكونة من إيران وسوريا وحزب الله وحماس.

تحت يافطة "دعم عملية السلام"، اجتمعت رايس، في القاهرة، مع ثمانية وزراء خارجية عرب، وهو ناد أطلق عليه الأمريكان الخليج+2 (الأردن ومصر). ولكن اليافطة لم تكن أكثر من حركة تمويه مفضوحة، إذ تركز الاجتماع على بسط غطاء عربي - إسلامي لفرض عقوبات وحصار، وربما عدوان على إيران.

ففي جدة، أعلنت رايس أنها يئست من استجابة إيران وأن الخيار الوحيد أمام الأسرة الدولية هو تفعيل العقوبات ضد طهران وفقاً لقرار مجلس الأمن 1696. بهذه النوايا اجتمعت رايس بالوزراء الثمانية وذلك بهدف بناء تكتل عربي ضد إيران على غرار التكتل الذي دعم الأمريكان في حرب الخليج الأولى.

إضافة إلى الملف الايراني بحثت رايس مع "معتدليها" موضوع احتواء وامتصاص مخلفات وتداعيات فشل العدوان على لبنان، ولكن زيارتها للبلاد لم تكن سوى زيارة صيانة ورفع عتب. في رام الله، صرحت الوزيرة الزائرة بأن الولايات المتحدة مصممة على "إقامة دولتين لشعبين" وأن إدارتها ستضاعف جهودها من أجل تحقيق هذا الهدف وهذا الحل. رايس رأت، فيما يبدو، أن هذا هو المكان المناسب لنشر الوهم عن تفعيل العملية السياسية، فمن غير اللائق قول ما قالته في زيارة للمنطقة دون أن تعرج على عباس وأولمرط، على الأقل، لصيانة الوهم والترويج له.

صحيح أن رايس لم تذرف الدموع، ولا حتى دموع التماسيح على الحالة المأساوية للشعب الفلسطيني، لكنها تكرمت علينا بإبداء القلق على الحالة. هذا القلق هو من الصنف الوقح، فالولايات المتحدة هي المسؤولة الأولى عن حالة الحصار والتجويع التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع. فهي التي نظمت الحصار وهي التي تدعو علانية إلى إسقاط الحكومة الفلسطينية المنتخبة، وبدون التحفيز والتشجيع الأمريكي لم تكن أوروبا والدول العربية وحتى إسرائيل لتجرؤ على فرض هذا الطوق الاقتصادي والسياسي على الشعب والحكومة في الضفة والقطاع.

ولكن يجب أن يكون واضحاُ أيضاُ، أنه لولا تجاوب الدول العربية مع الحصار، أو تطوعها له، لما نجحت لا أمريكا ولا إسرائيل في فرضه على الشعب الفلسطيني بهذه الفظاعة وهذا الحجم.

المنطقة بحاجة إلى العدل وليس إلى الاعتدال. العدل وفق المعايير الإنسانية الكونية المتساوية، وليس الاعتدال بالمقاييس غير المتكافئة وغير المنصفة المصممة أمريكياً.

ولعل ما قالته السيدة الزائرة في ختام العشاء الرمضاني مع وزراء الخارجية العرب الثمانية، إشارة إلى طبيعة علاقات الاعتدال العربي بالجشع الأمريكي. فقد شكرت مضيفيها قائلة: "لقد اجتمعنا معاً في نيو يورك وقدمت لكم الماء والبسكوت، أما أنتم فقدمتم عشاء فاخراً فيه كل ما لذ وطاب". الكرم العربي معروف، ومع ذلك هكذا تستقبل الوزيرة الأمريكية الوزراء العرب، لكن شعوب العرب لم تحصل من أمريكا سوى على حصار وقتل وتدمير..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018