رجـــاءً فتّشــوني! / رازي نجّار

رجـــاءً فتّشــوني! / رازي نجّار


لا أعرف عزيزاتي وأعزائي القراء إذا كنتم انتبهتم، مثلي، إلى ظاهرة بدأت تقلقني بعض الشيء، وهي بداية ظهور مؤشّرات تدلّ على أنّ منسوب الاضطهاد والتمييز العنصري الذي نعانيه وتعوّدنا عليه لدرجة الإدمان، آخذ في التقلّص، بحسب أخبار بعض الصحف. فأخشى يومًا نستفيق فيه على واقع محرج، يعامَل فيه العربي منّا على أنّه مواطن مُتساوٍ في كلّ شيء، ينعم بحقوق كاملة، ولا يشعر بأنه غريب في وطنه المسلوب. إنّه حقًا كابوس مرعب، يصرّ على مطاردتي كلّما عطشت سيارتي الأكولة إلى وجبة بنزين دسمة، يوم الجمعة، فيكون نصيبي بأن أفوز برزمة من الصحف، تشمل تلك الصحيفة الغرّاء التي تعكّر المياه كي „تصطاد” فيها، صحيفة لسان حال حزب „العمل”، التي أسسها فارس الصحافة، رحمه الله.
لكنّ هذه الصحيفة ليست موضوعنا هذا الأسبوع، ونتمنّى ألا تكون في أيّ أسبوع، تماشيًا مع مبدأ „إبعد عن الشرّ”، فليست هي الصحيفة الوحيدة التي تنشر أخبار النواب المستعربين من الأحزاب الصهيونية: „ميس ليلك” ناديا الحلو و”الشاب المثالي” ? الوزير المفقود رالب مجادلة (بالمناسبة، وينُو؟!)، وهما من أنشط العاملين في حقل تحقيق المساواة للعرب، وهذا بصراحة ما يغضبني منهما، وبالذات من الحلو بينهما!
فانظروا معي، مثلاً، إلى آخر إنجازات الحلو؛ حيث صرّح رئيس الشاباك، يوفال ديسكين، بعد أن جالسَها قبل أسبوعين، بأنّ الـ „شاباك” سيقوم خلال سنة ونصف السنة بتشغيل جهاز متطور جدًا في مطار „بن غوريون” الدولي، يهدف لوضع حدّ للفحوصات الأمنية التي يتعرض لها المسافرون العرب في المطار!!
الآن بربّكم قولوا لي ما العمل؟ ماذا نفعل في المرّة القادمة التي سنيمّم فيها شطر مطار اللد قبل 7 ساعات من موعد الطائرة؟ يعني، هل يعقل أن تمرّ الرحلة من دون متعة التفتيش؟ ثم ماذا نفعل في الساعات الخمس التي خصصناها لأسئلة مضيفة سلطة المطارات الشاباكية، ولفتح الشنطة، وتعريب الكلسات والكلاسين مجدّدًا، والشّرح عن محتوياتها الغريبة مثل الملوخية الناشفة أو المعسّل... ماذا نفعل في كل هذا الوقت الفراغ؟! هل نذهب إلى الديوتي فري؟ وماذا نفعل في الديوتي فري لمدّة 4 ساعات؟ فعملية شراء „كروسين تايْم” وقنينة „تشيفاس” وأصبع „توبليرون إكسترا لارج” لا تستغرق أكثر من ربع ساعة في أقصى الحالات!
هل تعرف ميس حلو أنها في إنجازها هذا تقلب كياننا رأسًا على عقب؟ فماذا يفعل الآن كل الباكين على „إهانتهم” في المطار، وبالتحديد هؤلاء الذين يسارعون إلى تعميم خبر المهانة على وسائل الإعلام؟ ماذا ستفعل بنت قاضي المحكمة العليا العربي التي أهينت في المطار رغم كونها موظفة في وزارة الخارجية وابنة مدلّلة عند السلطة؟ وماذا يفعل سفراء الجمعيات في زياراتهم الخاطفة إلى البلاد؟ وماذا نفعل نحن في الصحف إذا حرمنا أخبار „عربي آخر يُهان في المطار”؟ لأيّ أخبار سنترك هذه المساحة الشاغرة؟ كلنا أمل أن تملّ الحلو وتتكاسل، لأنها إذا استمرّت بوتيرة تحقيق الانجازات هذه، سنصبح سويسريين خلال وقت قصير، وعندها سنغدو شعبًا مملاً، لا قضيّة له، ولا عدوّ له يحمّله مسؤولية تخلّفه، وهذا ما لا نرضاه!
ما الغث وما السمين؟!
قبل أن أنهي مقارعتي هذه، وأذهب لتحضير حقيبتي استعدادًا للسفر إلى رام الله (وهي مهمّة فيها من الإهانة أضعاف ما يضمره „بن غوريون” لنا)، أستدرك ما جاء أعلاه لأوضّح لمن ظنّه كلامًا ساخرًا، أنّ فيه شراً من البليّة قد يكون مضحكًا، لكنّه شرٌ بالتأكيد. فقضيّة التفتيش في المطار واللغو حولها أسبوعيًا، صارت قضية مُملة حدّ الابتذال، فإذا حدّدنا قائمة لمطالبنا الملحة ولحقوقنا المهضومة، سنضع هذه القضية، حتمًا، في أسفل القائمة. فمن ناحيتي، افتحوا الحواجز وأزيلوا الجدار وأعيدوا للناس إمكانية العيش بكرامة في الضفة الغربية وغزة والنقب، وفتشوني ما استطعتم، وبحبشوا في زواريب جسمي بما أوتيتم من وقاحة، فلن تجدوا غير ما ورثته عن أسلافي: مقدحة ومملحة!

ثمّ ما هذا الدلع والغنج الجمعي الذي وصلنا إليه؟ من يسمعنا „نتبكبك” على مسألة التفتيش ظنّ أننا نسافر على الأقل عشر مرات في السنة! من دون إجراء دراسة علمية باستطاعتي أن أؤكّد أن معظمنا، بمن فيهم كاتب هذه السطور، مستعدون لتحمل إهانة التفتيش شريطة أن تتوفّر الظروف المادية التي تسمح لنا بالسفر لأكثر من مرة في السنة الواحدة، إن لم نقل في الثلاث سنوات!
ولنتذكّر دائمًا أنّ النظر إلينا كـ „تهديد أمني” لدولة عنصرية محتلة مثل إسرائيل، هو تشريف وليس إهانة، فـ „فتّش أنا عربي”!

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019