رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك/د. عماد فوزي شُعيبي

رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك/د. عماد فوزي شُعيبي

السيد الرئيس جاك شيراك.

لأننا نعلم أن التوجه نحو رئيس لبلد عريق وعتيق وليس(عجوزاً!)، هو أمر مقبول في عقلية رئيس حضاري لدولة حضارية كفرنسا، فما البال إذا كان ذلك الرئيس ديغوليّ من طراز متميّز، فإننا نخاطبك ونعلم أن ما لديك من معطيات يتجاوز ما لدينا، وما ترونه من أبعاد استراتيجية للموقف غير ما نرى، لكننا نتقاطع معاً في كثير من القضايا، وقد تكون لملاحظتنا وآرائنا فائدة؛ لأنها قد تكمل تفاصيل اللوحة، وقد تُوضع في قائمة حساباتكم.

أيها الرئيس.

كنا ننتظر قبل موقفكم الأخير، الذي شهر الفيتو في وجه مشروع القرار الأمريكي- البريطاني- الأسباني، موقفاً ديغولياً منكم، يطيح بحجم الدعايات التي طالما رددتها الصحافة الأمريكية؛ عندما كانت تقول بأن المعارضة السياسية الفرنسية تماثل ثرثرات مقاهي باريس الثقافية لأنها ستنضم لاحقاً إلى الموقف الأمريكي في اللحظة الأخيرة، وقد كان أن فعلتم ذلك الموقف الديغولي.
لكننا ننتظر منكم موقفاً شيراكياً.!

نعم أيها الرئيس ننتظر منكم موقفاً تضعون فيه بصماتكم الشخصية على حقبة تشكل خطراً حقيقياً ليس على المنطقة العربية وليس على العالم فحسب، بل على مكانة فرنسا في النظام العالمي الذي لم يتبلور بعد، والذي يدّعي بعض الأمريكيين أنه سيكون وراثة"تحالف الراغبين" لمنظمة الأمم المتحدة ولميراث الحرب العالمية الثانية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجموعة الفيتو فيه، بحيث تصبح منظمة تدار برأس واحد وفيتو واحد.

ومن زاوية براغماتية، نقول لسيادتكم: أننا نفهم ونتفهم دوركم في تربيط أيدي الأمريكيين بالقرار1441 وفي تركهم يتورطون في حرب بلا غطاء دولي، تنتظرون نتائجها كي تحكموا على مكانتكم ودوركم في العالم بناءً على مدى قدرتها على أن تحقق النتائج السياسية التي رسمت لها. وأنكم بانتظاركم لهذا تودون بحسابات معقدة -نفهمها أيضاً- ألا تتورطوا في حرب عالمية جديدة، أو في مواجهة تفرط كلياً حلف شمال الأطلسي وطبيعة التحالف الذي بنته باريس مع واشنطن في ظروف الحرب الباردة وما بعدها، وأنكم تحرصون على إبقاء(الحبل السري) الذي يُبقي لكم خياراً في دور ما أو معالجة عقلانية لنتائج الحرب وبالتالي الإبقاء على المنظومة الدولية ـ ولو في وضعية انتظار(standby) ـ كي لا يدخل العالم في فوضى عارمة لا تنتهي…

والأسباب والحسابات التي لديكم عديدة وكثيرة، ولكن ثمة ما هو جديد ويستحق أن نتوجه إليكم في هذه اللحظة التاريخية بالكلام المباشر بشأنه، خصوصاً وأنكم تتحملون اليوم مسؤولية لحظة الانعطاف في التاريخ، وبينكم وبين دخول التاريخ مع شارل العاشر ولويس الرابع عشر ونابليون وديغول مسافة قصيرة تتمثل في إدراك"اللحظة الفاعلة" من ناحية والقيام بالفعل الاستراتيجي من ناحية أخرى.

الجديد، أيها الرئيس الرصين، يتمثل في أنكم كنتم تنتظرون ـ غالباً ـ متغيرات الوضع المُقاوم للاحتلال بعد انهيار النظام العراقي، حيث كانت كل الدعاية والمفاهيم والتحليلات الخطية(Linear ) تقول أنه حاصل لا محالة.

ولعلكم ـ يا سيادة الرئيس ـ كنتم تستعيدون صورة المقاومة الفرنسية بعد الاجتياح النازي لباريس، لكن الذي حدث أن الأمريكيين لم يستطيعوا أن يحققوا الحد الأدنى من هدفهم العسكري، وبالتالي السياسي، والمقاومة بدأت مبكراً، وما يحدث في العراق ليس مقاومة نظام وجيش نظامي فحسب، بل هي مقاومة شعب يرفض الاحتلال ويستطيع أن يميز، كما لا يستطيع المثقفون أو من يرون أو ينظرون من الخارج ومن خلف نظاراتهم، بين عدائهم للمحتل، وبين خصومتهم(أو أقله خصومة بعضهم) للنظام السياسي، وبالتالي فالشعب يقيم في اللحظات الحرجة سلماً دقيقاً للأولويات، وهرماً لا يخطئ بتعيين ما هو عدو وما هو خصم.

ولهذا إذا كنتم تنتظرون"ما بعد الحرب"، فإن المقاومة باتساعها تستوجب-برأينا- تعديل الاستراتيجية، والتدخل بطريقة أو بأخرى بعدم إيصال الحرب إلى نتائجها السياسية المتوخاة.
لقد أعفى الشعب العراقي الجميع وأعفاكم ـ بصورة خاصة ـ من حراجة الموقف اللاعقلاني والانفعالي، ومن حراجة الموقف الأخلاقي الذي يستوجب أزره عسكرياً. لكنه يفسح لكم في المجال أمام تطويق اللاعقلانية الأمريكية، أقله في المجال السياسي.

صحيح أن البعض قد يقول أنه من المبكر الحكم على، أو التدخل في مجريات الحرب من خلال أيام قليلة بها، لكن هذا يصح ـ فقط ـ في حالة كانت في وضعيّة كر وفرّ نظاميين، أما وقد تحول العراق بشعبه إلى قوات(بالجملة) ضد الاحتلال، ولم يحدث أن فرّ أحد أو لجأ إلى أي دولة هرباً من الحرب. بل بالعكس، فإنهم يعودون للدفاع عن بلدهم… ففي كل هذا ـ يا سيادة الرئيس ـ ما يغيّر الحسابات؛ أعني توقيت حسابات التدخل السياسي.

فالأمريكيون في مأزق، والمجازر هي طريقهم الوحيد لحسم الموقف؛ باعتبار أن الخيار اللاسياسي الذي اعتمده الرئيس بوش (بعدم ترك هامش لحل توافقي والإصرار على نتيجة وحيدة وهي(إما… أو): إما القضاء على النظام أو أنه سيكون قضاءً عليه)، لا يمكن إلا أن يفضي إلى إضعاف الطرفين معاً أو إنهاءهما معاً أيضاً، وهنا تأتي"اللحظة الفاعلة":

تعلمون ـ أيها الرئيس ـ أن الحرب إذا لم تحصّل نتائجها السياسية ستنتهي بسهولة إلى انتصار عسكري وهزيمة سياسية، وتدركون ــ قبلناـ أن الأمريكيين يريدون العراق"ساحة عمليات" مفتوحة لتغيير النظام العالمي بأكمله وليس فقط لتناول نظام سياسي، الأمر الذي يستدعي التدخل(سياسياً) لبدء الضغط على الذين أداروا ظهرهم وأطاحوا بشرعة الأمم المتحدة، ويريدون الاستفراد بالعالم، فلماذا لا تتحركون لقسم العالم ـ مرة أخرى سياسياً ـ إلى قسمين يبيّنان نسبة من هم الذين يقفون ـ فعلاً ـ مع"تحالف الراغبين" ومن هم الذين يقفون ضد الحرب، ونحن متأكدون أن الأكثرية الساحقة هي لصالح الجناح الثاني من المعادلة.

اللحظة الفاعلة ـ كما نراها ـ يا سيادة الرئيس الفرنسي هي الآن، وتبدأ من مجلس الأمن وتثنّي بالجمعية العمومية. صحيح أنكم صرحتم بأنكم لن تسمحوا بأن تُسبغ الشرعية على العدوان، إلا أن الأمريكيين يجرون الجميع إلى"إدارة الأزمة"، وإدارة الأزمة ـ مع الصمت والترقب من الجميع بما فيهم فرنسا ـ تدفع، انطلاقاً من اعتبارات عقلانية حذرة ومعيارية، إلى تنازلات من طرفكم وليس من الطرف الأمريكي، فالأمين العام بدأ بسلسلة تنازلات خطيرة بدأت بسحب المفتشين وثنّت بسحب القوات الدولية من الحدود العراقية ـ الكويتية دون العودة إلى المجلس، حيث بقي وحده رهينة أسر الضغط الأمريكي، والأخطر إعادة العمل"بالنفط مقابل الغذاء" بعد تعديل دون العودة إلى الحكومة العراقية، الأمر الذي يمهد لانتصار سياسي بالتدريج ولإسباغ الشرعية على العدوان لأنه كمن لا يعترف بها، ولأنه لم يحدد مصير النفط وإدارته من الجنوب العراقي، وفي كلتا الحالتين ، أنجزت واشنطن إنجازاً سياسياً، وهذا شيء خطير نرجو ألا يكون بداية لانهيار خطتكم.

السيد الرئيس جاك شيراك.

في هذا الوقت بالذات، يستثمر الأمريكيون انتظاركم كي يشوّهوا صورة موقفكم ويضعفوها أمام الرأي العام العالمي، وإضعاف بقية الدول التي راهنت وتراهن على تزّعمكم لعالم الأمم المتحدة والشرعة الدولية؛ أي لعالم ما بعد الحرب العالمية الثالثة!، ولهذا سارعوا إلى نشر تصريح يقول بأن فرنسا تذكيّ انتصاراً للولايات المتحدة في هذه الحرب. ولم نصدّق أن هذا يمكن أن يكون موقف فرنسا لأنه يتناقض مع مصالحها واستراتيجيتها، ولهذا اتصلنا بأحد أهم ديبلوماسيي سفارتكم للتحقق وجاءنا الردّ بأن هذا ليس صحيحاً، وأن تصريح الوزير دوفيلبان اقتصر على التأكيد على نهاية سريعة لهذا النزاع بأقل ضحايا ممكنة.

صحيح أننا كنا نتوقع أن وزيرخارجيتكم الذي تألق في مجلس الأمن سيتحدث لا عن نزاع إنما عن عدوان ليكون ذلك متسقاً مع الموقف الفرنسي ومستتبعاته في مجلس الأمن، ونحن ننتظر ما هو أكثر تأثيراً؛ ونعني هنا ـ باختصار شديد : التقاط"اللحظة الفاعلة" واستخدام الأدوات المناسبة، ونحن على قناعة بأن"الظروف العظيمة هي التي تخلق الرجال العظماء"، حسبما كان يقول الجنرال ديغول، آملين أن يكون"التقاط اللحظة الفاعلة بأدواتها الفاعلة" هو شأن الشيراكية.