سيناريوهات أولمرتيّة../ وليد أيوب

سيناريوهات أولمرتيّة../ وليد أيوب

تشير جميع إستطلاعات الرأي في إسرائيل إلى أن رئيس الوزراء، الذي وصل إلى موقعه بالصدفة المحضة بعد سقوط سلفه شارون في غيبوبة ما قبل الرحيل إلى باريه، هو الأضعف من بين جميع الرؤساء الذين تناوبوا على كرسي رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ بن غوريون وحتى شارون.. حتى إنه يبزّ من اصطلح على نعته بـ "الخاسر الأبدي"، نائب أولمرت وعرّاب تطوير، قل تهويد الجليل والنقب، شمعون بيرس الذي "ينجّر حاله" في هذه الأثناء لمنصب رئيس الدولة.. فقد وصل التأييد لرئيس حكومة إسرائيل إلى حضيض إستطلاعي لم يتجاوز اثنين في المائة.

ويعرف أولمرت، كما قد نفترض، أن هنالك احتمالا وحيدا لرفع منسوب التأييد له، وذلك بخلق خطر فعلي على وجود الدولة اليهودية، الأمر الذي يمنحه ذريعة مقبولة لشنّ حرب على الجهة التي يصوّرها تشكّل خطرا شريطة أن يتصاقر إلى آخر الحدود وأن يترك جناحي الدوري المذعور من المحاسبة والعقاب، ومن الفخاخ المنصوبة له حتى من أعضاء حزبه الذين تلملموا من جهات وبؤر لم بجدوا فيها جوابا لأطماعهم واندلاقهم على كرسي الحكم والريادة..

ويدرك أولمرت، مؤسسا على تجربة بيرس نفسه، الذي تقلّد رئاسة الحكومة بعد أن غيّب يغئال عمير، اليهودي، رئيس الوزراء الأسبق، يتسحاق رابين العام 95، والذي ما لبث أن ذهب إلى تعزيز شخصه وشعبيّته فارتكب مجزرة قانا التي سقط فيها 105 لبنانيين من الأبرياء.. يدرك هذا الأولمرت أن الإحتمال الوحيد لاستعادة هيبته، التي لم تكن موجودة في يوم من الأيام، هي خلق ما يصوّره خطرا على الوجود الصهيوني في هذه الديار.. حيث لا نستبعد ركوبه على صهوة مغامرة غير محسوبة العواقب، كالهجوم على المفاعل النووي الإيراني، مثلا، أو اجتياح غزّة وإعادة احتلالها بحجة أن صواريخ القسام ما زالت تهطل على سديروت وعلى الجنوب الإسرائيلي، بل الترويج إلى أن هذه الصواريخ لم تعد بدائية كما عهدها الإسرائيلي، حيث طوّرها الفلسطينيون فأضحت تصيب عن بعد عشرين كيلومترا، بل قد ينقل الفلسطيني تجربته إلى الضفّة الغربيّة، التي منها يمكن للقسامات أن تؤذي في خاصرة إسرائيل وفي قلبها.

نتوقّع أن يعزف أولمرت وحاشيته على هذا الإيقاع، مؤسسين على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في زحزحة رأي الشارع إلى جهة الإلتفاف حول حكومته المشغولة بدفع الأخطار الوجودية عن الكيان المحاط بمحيط من الأعداء.. كما إننا نعتقد أن هذه ستكون الخطوة الأخيرة التي تبقّت لأولمرت لتحقيق هذا الغرض، بعد أن فشل في حربه على لبنان أمام حزب الله، وبعد أن تلقّى صفعة في اجتماع مكّة الذي تمخّض عن تصالح فلسطيني، وبعد فشله في عرقلة الإتفاق الفلسطيني وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وبعد فشله في إعادة "الأبناء المختطفين" من غزّة ولبنان، وبعد أن فشل في منع الإختراق الفلسطيني لأوروبا إلى جهة تأييد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وبعد أن بدأت ترشح إشارات، صريحة في بعضها، عن تمرّد وتآمر على ريادته بين صفوف "اللمم" في حزبه، والذين تجمّعوا هكذا "من كل قطر أغنية" بعد أن كانوا مشتّتين كما "خرا الشوح"..

لم يكن الوضع الشرق أوسطي بهذه الخطورة منذ سنين، حتى أننا نخشى أن نعيد إلى الأذهان أوضاعا مماثلة سبقت في العادة حروب إسرائيل ومغامراتها.. وهنا امتحانان: الأول للفلسطيني والعربي يتمثّل في وجوب أن يأخذا الحيطة والحذر من مغامرة أولمرتية متهوّرة، وللعالم في الثاني الذي يطلب إليه، شرعيا وإنساتيا أن يحط الحدّ على زعرورة إسرائيل، بأنه لا يمكنها، وبرغم تدليلها، أن تشرّق وتغرّب، وأن تعمل "السبعة وذمّتها" هكذا على كيفها..

ويبقى أن أولمرت لم يتقن التمظهر بصورة الحمامة، وأنه سيظلّ هو هو ذاك الدوري الفزع الذي لا يملك أن يتنسّر، إنما خطورته في إمكانية اعتماده آليّة "عليّ وعلى أعدائي"، وهنا ناقوس الخطر.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019