عالم ما بعد الحرب لن يكون عالم ما قبلها/ماجد كيالي

عالم ما بعد الحرب لن يكون عالم ما قبلها/ماجد كيالي

بقدر ما أكدت التجربة التاريخية حقيقة الحرب باعتبارها محطة اختبار مكثفة للمجتمعات والظواهر والمقولات، وأنها فوق ذلك بمثابة "قابلة" تولّد الجديد أو "قاطرة" للتاريخ تنقله بسرعة قياسية إلى زمن آخر وأفق آخر، على الرغم مما تثيره من دمار وتشوّه مادي وخلقي، فإن ذلك يصدق كثيرا على الحرب الدائرة رحاها في العراق في سعيها لحسم صراعات ومقولات، عراقية وعربية ودولية.

فعلى الصعيد العراقي، مثلا، يبدو أن الغزو الأمريكي ـ البريطاني يختبر في وقائعه وفي طبيعة ردود الفعل عليه جملة من المقولات التي جرى الترويج لها، طوال الفترة الماضية، من نوع أنه ثمة انفصام بين شعب العراق وقيادته، وأن هذا الشعب يتوق للتخلص من السلطة التي تهيمن عليه، وأنه بالتالي سوف ينتفض ضدها حال وصول طلائع القوات الأمريكية إلى العراق، التي سيستقبلها بالأهازيج والأرز والرياحين! وغيرها من المقولات التي راجت عن سرعة انهيار قيادة السلطة وتفكك مؤسساتها، ومن ضمنها الجيش وقوات النظام، فور حصول المواجهات الأولى مع القوات الأجنبية الغازية التي جاءت في ظل الادعاء بجلب الأمان والديمقراطية والازدهار لشعب العراق!

على أية حال فإنه من المبكر لآوانه، الآن، أي بعد عشرة أيام من هذه الحرب، التكهن بمآل هذه المقولات، ولكن الوقائع الأولية أثبتت بأنها كانت إما مجرد استنتاجات متسرعة تنم عن فهم سطحي لواقع العراق، بتكويناته وتعقيداته وثقافاته، أو أنها مجرد تقوّلات مراوغة طرحت في سياق التحريض المحموم على الحرب، من قبل الأوساط اليمينية المتطرفة في الإدارة الأمريكية، واللافت أنها أطراف "صدف" أنها حليفة لأكثر التيارات تطرّفا في إسرائيل والصهيونية!

طبعا لا يمكن الإنكار أنه ثمة جزء من الحقيقة في بعض هذه المقولات ولكن المشكلة هنا تكمن في التعويل عليها أو في استخلاص الاستنتاجات منها، وهو ما أدى إلى كل هذا التخبط في الخطط العسكرية والادعاءات السياسية والإعلامية لدى قوات التحالف المعتدية. فالقيادة العراقية لم تتنازل عن السلطة، برغم كل الإغراءات أو التهديدات، وأجهزة السلطة ومؤسساتها العسكرية والمدنية لم تتفكك أو تنهار، بحسب التوقعات، وإلى جانب كل ذلك فإن الشعب العراقي صمد في أرضه، برغم الحرب والدمار، فهو لم يغادرها، ولم يهلل لجيوش "الفاتحين" ـ "المخلّصين" بل نظر إليها باعتبارها قوات معتدية وغازية وجيوش احتلال، جاءت تسلبه أرضه وثرواته ولتدمر قدراته وتقوض كيانه الوطني، على عكس مجمل التكهّنات التي رسمت في دوائر البنتاغون الاستشراقية المتغطرسة.
وربما لا يبدو من قبيل المجازفة التأكيد على أن المراهنات الأمريكية، ومعها الإسرائيلية، على حسم سريع للحرب، بالاستناد لطبيعة ردود الفعل العراقية، لم تكن في محلها، بحسب المعطيات الواردة ولا سيما في ضوء التسريبات عن مراجعة الخطط العسكرية الأمريكية في العراق وتوجه القادة العسكريين في البنتاغون إلى تحميل المجموعة المدنية ـ الأيدلوجية فيه المسؤولية عن سوء التقدير، وضمن هؤلاء وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبيه بول فولفويتز ودوغلاس فايث وكبير المستشارين ريتشارد بيرل، الذي استقال من منصبه.

ويمكن تفسير حال التخبط الأمريكي: السياسي والإعلامي والعسكري وسوء التقدير لردود الفعل العراقية: الرسمية والشعبية، بعدة عوامل أهمها: أولا، سيادة روح الغطرسة وغرور القوة والشعور بالتفوق الساحق لأمريكا في المجال العسكري، لدى المتنفذين في الإدارة الأمريكية؛ ثانيا، رغبة المجموعة الأيدلوجية المتطرفة والمتصهينة المتنفذة في الإدارة الأمريكية بتوريط الولايات المتحدة بحرب بالوكالة عن إسرائيل في المنطقة العربية؛ ثالثا، محاولة هذه المجموعة تكريس الطابع الإمبراطوري للهيمنة الامريكية كقطب أحادي على العالم باستخدام كل الوسائل بما في ذلك جبروت القوة والحرب الوقائية.

ولكن ثمة عامل على غاية في الأهمية ينبغي التركيز عليه في هذا المجال وهو المتمثل في اختلاف المفاهيم والعقليات والثقافات، فمنظروا الحرب، في البيت الأبيض، حاكموا الأمور من خلال منظورهم الثقافي ومن خلال عالم المصطلحات والمفاهيم التي يفهمها المجتمع الأمريكي. ومعنى ذلك أن هؤلاء، في ذروة حماسهم للحرب، لم يأخذوا بعين الاعتبار طبيعة الثقافة السائدة في المنطقة ومستوى التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمجتمعاتها وذاكرتها التاريخية، وهي العوامل التي تقرر شكل ردة الفعل على المقولات والأحداث.

ففي المنظور الثقافي ـ السياسي العربي فإن الصراع في المنطقة وعليها ينتمي إلى مصطلحات الصراع على الوجود: أن نكون أو لا نكون، إما نحن أو هم، وفي صراع كهذا من الطبيعي أن يتم استدعاء الموروث المتراكم من الرموز الثقافية والدينية والنفسية والتاريخية (لا سيما بفعل مداخلات التجربة ضد الاستعمار وضد إسرائيل)، وفي إطار هذه الثقافة فإن الصراع على الأرض يكتسب مكانة قدسية.

في حين أن الثقافة الغربية في مسارات تطورها وإنجازها لمشروعها التاريخي، والتي انتقلت إلى ما بعد الدولة وما بعد القومية، ترى الصراع في معظم الأحوال لا يتمحور حول الوجود وإنما على شكل الوجود، وليس على الأرض وإنما على المصالح وعلى مكانة الأفراد في الدولة. وهكذا كما قدمنا فإن المخططين الأمريكان، ومعهم مستشارين مستشرقين من مثل: برنارد لويس وفؤاد عجمي وكنعان مكية (برغم لبنانية الأول وعراقية الثاني)، حاولوا أن يفصّلوا مخططات معركة بحسب معاييرهم الثقافية هم، ولكن شعب العراق فاجأهم بمعركة مختلفة تتناسب مع معاييره وثقافته هو، وهذا ينطبق على القيادة العراقية التي تبدو، في دفاعها عن سلطتها، وكأنها تدافع عن الأرض والأمة والكرامة؛ وهذا وذاك لم يكونا في وارد المخططين في دوائر البنتاغون ومستشاريهم، وهو ما دفعهم إلى تغيير استراتيجية المعركة وهو ما أدى، وإلى حد كبير، إلى استقالة ريتشارد بيرل من منصبه، وهي الاستقالة التي تم تفسيرها بأسباب مسلكية!

المعنى هنا أن التجربة أثبتت أن المجتمع العراقي، شأنه على الأغلب شأن كل المجتمعات العربية، ليس مستعدا للمراهنة على الشعارات أو الادعاءات الأمريكية، والغربية عموما، وأن قيمة الدفاع عن الأرض والوطن، في صراعه من أجل وجوده ومكانته، بالنسبة إليه تبدو في أعلى سلم الاولويات، فالوطن يأتي أولا، أما شكل النظام والعلاقة مع السلطة وطبيعة السلطة فهي تأتي بمرتبة ثانية، وربما أبعد من ذلك في سلم أولويات المواطن العربي وهمومه الكثيرة والكبيرة، وأيضا بالنظر إلى مستوى ثقافته ومستوى تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وباختصار فإن مراهنات نمط الثقافة الغربية ترتكز على الديمقراطية وحقوق الإنسان الفرد والمواطنة ومستوى الحرية والرفاهية في حين أن مراهنات الثقافة في العالم العربي مازالت ترتكز على البديهيات أي على الأرض والأمة وبناء حيز الدولة وإنشاء الذات القومية والدفاع الغريزي عن الوجود.

وتأكيدا على ذلك، مثلا، يمكن العودة إلى الإجابة التي قدمها الجنرال تومي فرانكس، قائد المنطقة الوسطى في القيادة الأمريكية، ففي أحد المؤتمرات الصحفية اليومية الذي عقدها في قاعدة "السيلية" (قطر) تعرض فرانكس لسؤال محرج من أحد الصحفيين الذي سأله عن "شعوره لو أن مسقط رأسه "تكساس" تعرض إلى هجوم من أقوى دولة في العالم". إذ أجاب الجنرال بالقول أنه "يقدر طرح السؤال, لكن لا يوجد في "تكساس" نظام بمثل هذه الوحشية" ويقصد بذلك وحشية نظام بغداد. كذلك اضطر الجنرال "فرانكس" للتراجع في توصيفه للعملية الاستشهادية التي حصلت في النجف بأنها عملية إرهابية، عندما سئل: "كيف تسمي العملية إرهابية في حين أن قواتك تحتل بلداً وتواجه مقاومة؟ بقوله إنه لا يعني إن كانت شرعية أم لا, لأن الأمر يدخل في مجال وجهات النظر"! وأنه قصد أن هناك تشابها بين الحادثة النجف وما يوصف عادة بأنه عمليات إرهابية.

أخيرا لاشك أنه يمكن التأكيد، هنا، بأن العراقيين كان يمكن أن يكونوا أكثر قدرة على الصمود وأكثر استعدادا للتضحية وأكثر لحمة وتوحدا في مواجهة العدوان لو كانت أحوالهم أفضل مما هي عليه ولو كانت علاقتهم بالسلطة ايجابية وتبادلية وتفاعلية وديمقراطية، ولكن الأمر هنا نسبي وهذا الأمر لا يغير من طبيعة الاستنتاجات التي تحدثنا عنها.
المهم الآن أنه وبغض النظر عن كل المراهنات والفرضيات التي تم ضخها لشن هذه الحرب العدوانية وتبريرها، في المجال العراقي أو العربي أو الدولي، فإنه يمكن القول بكل تأكيد بأن هذه الحرب بمآلها وتطوراتها هي التي ستقول الكلمة الفصل في هذه المجالات، وبالتأكيد مهما كانت النتيجة فإن حال ما بعد الحرب، في العراق والمنطقة والعالم، سيكون غير ما كان عليه قبلها، ولكن الثمن سيكون بالتأكيد باهظا من النواحي البشرية والأخلاقية والمادية.