في حسن استعمال مجلس الأمن الدولي/ هشام القروي(*)

في حسن استعمال مجلس الأمن الدولي/ هشام القروي(*)

يوم الاربعاء الماضي, خرجت مظاهرات أخرى مجددا في باريس وفي عدد من المدن الفرنسية لمناهضة الحرب. واتفق ذلك - ياللصدفة!- مع اجتماع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وروسيا, وتصريحهم بشكل علني لأول مرة انه لن يكون هناك قرار آخر يصدر من مجلس الامن يتيح الحرب ضد العراق, لانهم سيضعون الفيتو عليه.

وكان من أبرز وأوائل التعليقات على هذا الموقف في الولايات المتحدة قول هنري كيسنجر: "ما هكذا يتصرف الحلفاء". والى هذه المجموعة من الدول, انضمت الصين لتقول: ليس هناك حاجة لقرار آخر من الامم المتحدة. وكل هذا يبرز السؤال: هل بقي هناك تحالف في العالم الغربي؟ وزاد الطين الذي غرق فيه بوش بلة قول هانس بليكس ان العراقيين أظهروا الكثير من التعاون. ومن ثم, فماذا سيفعل بوش؟

في نفس الوقت, وقع اجتماع مهم في واشنطن ترأسه بوش نفسه, وحضره بالخصوص الجنرال تومي فرانكس, الذي استقدموه من مركز قيادته في الشرق الاوسط خصيصا, والذي يصفونه بأنه ماك ارثور الجديد, اي الحاكم العسكري لما بعد الحرب في العراق.

وبحسب ما رشح, فلقد كان هذا هو ما سماه البعض "اجتماع الحرب". فقد صرح كولن باول, وزير الخارجية, قبل بضع الوقت بما لم يقدم عليه من قبل, وان كنا نعرف جميعا أنه في النوايا, بخصوص أن الولايات المتحدة ستضرب العراق سواء وافق مجلس الامن أم لم يوافق. والقصد بهذا الكلام هو بالذات: فرنسا وروسيا اللتان هددتا باستعمال الفيتو.

وهكذا, فقد وصلت العلاقات بين حلفاء الامس الى حد خطير. وتفرقت بهم السبل, فاذا بكل طرف يسعى في طريقه الخاصة, آملا أن تكون له حصة من المنافع والغنائم المستقبلية. وقديما قال الحكماء أو السفهاء (حسب المنظور): فرق تسد. وقد ارتدت السياسة الدولية في هذه الازمة الى مواقف بدا معها من الصعب اخفاء المصالح والمطامح, بحيث شابهت الحكمة السفاهة أحيانا الى حد غريب.

ولعل أحدا لم يتصور يوما أنه بالامكان تفريق ما اتصل بين الحلفاء الغربيين. دعك من روسيا, فهي بلد خال من العمود الفقري, أي انه لا اتجاه لها الا ما تمليه عليها الظروف. ولكن الى حد الآن, كنا جميعا نتصور أنه مهما حدث, فان فرنسا لن تتحمل الابتعاد عن الحليف الاطلسي, وكذلك هو الحال بالنسبة لألمانيا اقوى اصدقاء الولايات المتحدة.

بمعنى أن ما كان يجمع أوروبا الغربية والولايات المتحدة ليس فقط مجموعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية, وانما بالخصوص نظرة الى العالم تلخصها قيم مشتركة لا يمكن الابتعاد عنها. وقد استعملت تلك النظرة دائما للوقوف كتلة واحدة ضد عدو مشترك, سواء سمي ذلك العدو "الاتحاد السوفياتي", أو الاستبداد الشرقي, أو بلدان عدم الانحياز, أو التكتلات الاقليمية المختلفة التي قاومت التفرد الغربي بتقرير مصير العالم, وهو ما يبدو واضحا في تقسيم العمل داخل مجلس الامن الدولي, حيث لا يتمتع بحق الفيتو سوى من يملك القوة. ومن ثم, فقد كانت القوة دائما هي التي تسير العالم, حتى وان صبغوها ولونوها بألوان واصباغ زاهية تدعو الى التسامح والديمقراطية.

ولكن الحقيقة أن الذين ثاروا اليوم فقط على القوة الامريكية التي تريد احتكار مجلس الامن وتسييره وفقا لرؤاها, لا يهمهم طبعا اثارة السؤال حول قيمة مجلس الامن نفسه وطريقة عمله, حيث لا يوجد فيه مثلا عضو واحد يمثل العرب - وهم كتلة لها وزنها- بصفة دائمة. ولكن ما يهم هؤلاء وأولئك هو أمر آخر يتعلق باقتسام الغنائم. ومع ذلك, فان أكثر الحروب وقعت في العالم العربي. والحرب القادمة ايضا - ان وقعت - ستقع في العالم العربي.

فهل حقا هناك من يفكر في العرب داخل مجلس الامن ويقول: والله حرام أن نساعد في اشعال الحروب؟ نرجو لهم سلامة النية وحسن الطوية, وان كانت سلسلة كاملة من قرارات مجلس الامن الموقر تنتظر الى الآن التنفيذ على أيدي اسرائيل. ولا من داع ولا من مجيب!

___________
(*) كاتب وصحافي تونسي يقيم في باريس