لم يسمحوا لعايد بالعودة..

لم يسمحوا لعايد بالعودة..

اتصل بي الدكتور عايد أحمد. وعايد هو طبيب فلسطيني مقيم في السويد من مواليد قرية نحالين جنوبي بيت لحم. هذا أسمه الحقيقي، لا، ليس محفوظاً في هيئة التحرير. ونحالين اسم حقيقي أيضا حافظ على كيانه في نصاب الذاكرة وأنصبتها بين مذبحتين في مرحلة الوحدة 101 بقيادة شارون الشاب، وآخر في الانتفاضة الأولى يذكرها جيل فلسطين الثالث.
أبلغني الدكتور عايد أن والدته قد توفيت، وانه يرغب بالعودة لحضور تشييع جثمانها. لم يبالغ بالطلب. فالمتوفى والدته، والبلد بلده.

أجاب الرجل على كلمات العزاء غير المتكلفة بأدب غير مصطنع. ومع ذلك أعرف ما المشكلة. كان عايد أحمد يزور البلد مع زوجته كل عام، إلى أن أعادوه فجأة دون سابق إنذار من مطار اللد الذي يسمى مطار "بن غوريون" في صيف العام الماضي. وهو يشك وأنا أشك أنه منع بسبب تقارير وشاة من حيث يقيم، لأنه تصدى لعصابات بيع أرض وسمسرة. رجاني الدكتور عايد أن أعرف، بحكم موقعي، إذا كانوا سيعيدونه من المطار لو أتى. وأنا نائب في البرلمان، ولكن خلافا لمن يفاخرون بعلاقاتهم الشخصية مع الوزراء والوزارات لتقديم الخدمات بالوساطة لقاء الأصوات مغترب عن دولة هذا البرلمان إلى درجة أني لا أعرف كيف، ولا من أسأل فيما يتجاوز الاستجواب البرلماني الرسمي. وهذا الأخير يحظى برد جاف وشكلي وأصم بعد أشهر، كما في أفضل التقاليد البرلمانية المعطلة للديمقراطية بشكل ديمقراطي.

تصدى مساعدي الشاب النبيه للمهمة. وبعد اتصالات مع وزارة تلو الأخرى، وتوسلات عرف الجواب. والجواب بسيط وواضح ولا لبس فيه: سوف يعاد على أعقابه مرة أخرى لو شرًّف إلى المطار. أما موضوع زيارته فليس ذي بال بالنسبة للحاسوب وأقل من ذلك أهمية بالنسبة لأصحاب الحاسوب.

اتصلت بعايد لأبلغه، فسمعت صوت الأذان من شقته في أوبسالا. لقد بدأت التعازي كما يبدو في مخيم أوبسالا للاجئين الفلسطينيين.
حالة بسيطة. ربما، بشرط أن يتذكر القارئ كيف يقول البسطاء كلمة بسيطة، كأنهم يتوعدون أو يهددون...إيه بسيطة!!

تذكرت أني توجهت مرة بطلب عدم سحب هوية مقدسية (إسرائيلية) من أصدقاء لي من أبناء عائلات مقدسية قديمة، لكي لا أقول عريقة، فأنا لم أُغرَ بعد وراء تقليعات الرومانسية الجديدة في تبجيل أصالة الريف والفلاحين تارة وعراقة المدن طورا كأن الذاكرة الفلسطينية مسألة تقليعات وموضة. مكث أصدقاء الدراسة هؤلاء في لندن أكثر مما ينبغي بالنسبة لقوانين الإحتلال التي تعاملهم كأنهم دخلوا إسرائيل عام 1967! والمعروف أن إسرائيل اقتحمت أرضهم وفضاءهم وهواءهم في ذلك العام، بعد أن فعلت ذلك مع أبناء شعبهم غربي الضفة الغربية بأقل من عقدين. ومن يمكث خارج البلاد يخسر هذه الإقامة الإسرائيلية في القدس، التي باتت "عاصمة إسرائيل الأبدية"، حتى لو كانت عاصمة طفولته وشبابه الأبدية، حيث خلف بيته وأملاكه وأهله غير الأبديين الذين خلفوه.

ذهبت لأقابل الوزير في مكتبه في الكنيست، وكنت حديث العهد في ذلك المبنى القبيح. ولم أصبح أقدم عهدا فيه. ما زلت جديد العهد هناك كما يبقى الإنسان في منفى. وكان وزير الداخلية شيرانسكي بطل حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي المهاجر إلى بلادنا، وكنت، بتواضع، أتقن العبرية أفضل منه. ولم أتمالك نفسي فسألته: ألا ترى أن هنالك أمراً عبثياً في أني أطلب من مهاجر إذن إقامة لمقدسي في القدس؟ وخرجت..!!

في أوروبا يناقشون بغزارة قضية المهاجرين والأقليات والمسلمين وغيرهم. ولكني لا أعتقد أنه أسوأ كوابيسه تخيل سويدي أنه يطلب إذناً لدخول السويد لحضور جنازة والدته من مهاجر غاز يدعي أن السويد وطنه الحصري!

الأولى: إبن البلاد يطلب إذناً من الغزاة لحضور تشيع جثمان والدته. وكأن هذه وحدها لا تكفي. الغزاة يرفضون.
والثانية: ماذا يعني أن نطلب إذناً؟ ماذا يعني هذا كله؟
والثالثة: ماذا أفعل هنا؟..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018