مخاطر التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد سورية / ماجد كيالي

مخاطر التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد سورية / ماجد كيالي

أثارت الغارة الجوية الإسرائيلية على منطقة داخل الأراضي السورية، التساؤل عن مغزى هذا التحول النوعي والخطير في سياسة إسرائيل، إزاء سورية وإزاء مجمل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا سيما إزاء طبيعة دورها في إطار السياسة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

وينبع هذا التساؤل من معطيات عدّة، يكمن أهمها في ما يلي:
أولا، تزامن هذا العدوان مع تمرير قانون "محاسبة سورية" بدعوى عدم انصياعها للائحة المطالب الأمريكية، المتضمنة خصوصا سحب قوّاتها العسكرية من لبنان. وقد أعطت إدارة بوش الضوء الأخضر لمناقشة مشروع هذا القانون في لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس النواب الأمريكي، تمهيدا لعرضه على الكونغرس، ومن ثم إحالته على "البيت الأبيض" لاستصداره على شكل قانون يتضمن فرض عقوبات على سورية.

ثانيا، إقدام الطرفين: الإسرائيلي والأمريكي على تسريب معلومات، مفادها أنه ثمة تفاهم بينهما بشأن الضغط بمختلف الوسائل، على سورية، لإجبارها على التساوق مع السياسة الأمريكية في المنطقة، خصوصا بما يتعلق بقضيتي العراق وفلسطين.

اللافت للانتباه، في هذا الإطار، التصريح علنا بأن إسرائيل أخطرت مسبقا الإدارة الأمريكية بتفاصيل تلك الغارة الجوية؛ وقيام الرئيس الأمريكي جورج بوش شخصيا بتقديم تغطية سياسية لهذا العدوان، برغم أنه استهدف سيادة الدولة السورية وأراضيها وسكانها، باعتباره إياه مجرد دفاع عن النفس وجزء من الحرب ضد الإرهاب!

ثالثا، إعلان إسرائيل، في ذات الفترة، عن إقامة مشاريع لتعزيز الاستيطان في هضبة الجولان السورية، تتضمن إقامة 2500 وحدة سكنية مع مشروعات سياحية، لجذب المزيد من المستوطنين إلى الهضبة، بهدف تهويدها وفرض الأمر الواقع فيها، على الضد تماما من المواقف التي تدّعي الإدارة الأمريكية تبنّيها لفرض الاستقرار والسلام في هذه المنطقة. وبالطبع فإن هذا العمل سيضاعف من عدد المستوطنين في الجولان، الذين يبلغ عددهم الآن حوالي خمسة آلاف، ويجعل من عملية السلام مجرد أوهام، كما أنه بمثابة رسالة تهديد واضحة لسورية.

رابعا، دعم الإدارة الأمريكية للممارسات الإرهابية والتدميرية التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين، إلى الدرجة التي تبدو معها وكأنها تخلّت عن خطة "خريطة الطريق"، من الناحية العملية، باشتراطاتها القاسية على الفلسطينيين، والتي تتطلب منهم تغيير قيادتهم ووقف كل أشكال العنف من جهتهم، من دون أية ضمانات متبادلة ومن دون تقديمات سياسية مناسبة!


خامسا، إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على رفض أي دور ذي مغزى للأمم المتحدة أو للدول الكبرى في مجلس الأمن الدولي، لمشاركتها بتقرير شؤون العراق، أو حتى لتحديد جدول زمني بشأن سحب قواتها من العراق ونقل السلطة للعراقيين، برغم من كل الصعوبات التي باتت تواجهها في هذا البلد.

وللأسف فإن القراءة العربية لهذه التطورات والتحولات كانت، على الأغلب، قاصرة عن التوصل إلى الاستنتاجات المناسبة لفهمها أو لإدراك مدى انعكاساتها على أوضاع المنطقة، وذلك بسبب ميلها، كالعادة، للأوهام أو للرغبات الذاتية.

وهكذا جرى تفسير الغارة على سورية باعتبارها انعكاسا للمأزق الإسرائيلي في فلسطين أو انعكاسا للمأزق الأمريكي في العراق، برغم واقع أن الإدارة الأمريكية تفتح جبهات عديدة في العالم، في الوقت ذاته، من أفغانستان إلى إيران وصولا إلى كوريا الشمالية وكوبا، هذا فضلا عن استفزازها المستمر لحلفائها في أوروبا الغربية وفي روسيا، وحتى في بعض الأقطار العربية‍!

على ذلك ومن تفحّص التوجهات والتحركات الميدانية الأمريكية والإسرائيلية، إزاء سورية وإزاء المنطقة عموما، فإنه يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية:
1 ـ أن إدارة بوش، وهي تواجه كل هذه الاستعصاءات في سياساتها في الشرق الأوسط، لا تتجه نحو التهدئة، بل إنها تبدو، على العكس من ذلك، أكثر ميلا نحو تغيير المعادلات والوقائع، بتعمّدها توسيع رقعة الصراع في المنطقة، وربما تسخينه، أولا، من خلال فتح جبهة جديدة، باستهداف سورية وبمحاولة تغيير المشهد السياسي في لبنان؛ وثانيا، من خلال توظيف إسرائيل واستخدامها، في سعيها لتمهيد أو لترويض المسرح السياسي في المنطقة لاملاءاتها.
المعنى من ذلك أنه وبغض النظر عن التخبّط الذي تلقاه السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية، في العراق وفي فلسطين، مثلا، فإن فتح جبهة جديدة الغرض منها استهداف سورية أو لبنان، مع الاستمرار في استهداف الفلسطينيين، إنما هو يدل على مدى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على التلاعب بموازين القوى في المنطقة وقدرتهما على تغيير الوقائع فيها؛ كما يؤشّر على مدى انكشاف العالم العربي وتشتّته وبالتالي عجزه عن التحكّم بمصيره أو فرض مصالحه.
2ـ أن الهجمة الإسرائيلية على سورية تتمّ على خلفية تفاهم أمريكي ـ إسرائيلي معلن، كما قدمنا، ومعنى ذلك أن الغارة الإسرائيلية على منطقة "عين الصاحب" ليست مجرد رسالة أمريكية ولا هي مجرد ضربة إسرائيلية، فهي توليف من هذا وذاك. وفي الحقيقة فإن السعي لضرب سورية وإضعافها، كما بات معروفا، هو جزء من مخطط أشمل وضعته الدوائر الأمريكية بهدف إعادة هيكلة المنطقة، على أساس مبدأ "الدومينو"، وهو مبدأ يتأسّس على عدم التوقّف عند حدّ إسقاط نظام صدام حسين في العراق، وإنما السعي إلى استكمال ذلك، لفرض الترتيبات الأمريكية في المنطقة.
ومن الطبيعي أن إسرائيل التي حرّضت على دعم هذا التوجه، في الدوائر الأمريكية، وجدت أنه من المناسب توظيف هذا المبدأ لصالحها، بعد أن واتتها الفرصة لذلك.
3 ـ أن العدوان على سورية يكشف واقع التحالف بين إدارة بوش وحكومة شارون، الذي وصل إلى مستويات عاليه جدا من التفاهم السياسي والميداني. فالإدارتين الأمريكية ـ الإسرائيلية، باتتا تنطلقان، وأكثر من أي وقت مضى، من المبادئ ذاتها، إن في اعتبار "الحرب على الإرهاب"، أولوية مطلقة في العلاقات الدولية، أو لجهة تبني مبدأ "الحرب الاستباقية"، ومبدأ "استخدام القوة" لفرض املاءاتهما.

والملاحظ هنا أن إسرائيل، وعلى خلفية التداعيات الناجمة عن الحرب ضد الإرهاب، والاحتلال الأمريكي للعراق، باتت تشتغل وبشكل حثيث على استعادة مركزها كذخر استراتيجي للسياسة الأمريكية في المنطقة، وعلى الأقل بما يتعلق بضبط الأوضاع في المشرق العربي، بما يتناسب مع المصالح الأمريكية؛ لعلّ هذا الأمر يحرّرها من عملية التسوية، من جهة، ويضعها في موقع الشريك للولايات المتحدة الأمريكية في ترتيب أوضاع المنطقة، من جهة أخرى.

وعليه، فإنه وفي إطار الحديث عن الاستهداف الأمريكي (والإسرائيلي) لسورية، من المفيد التحذير من مقاربتين متضادتين، إحداهما تستهتر بهذا الأمر بدعوى أنه لا يوجد تهديد البتّة لسورية، وأن ما يجري هو مجرد ضغوط محدودة، يمكن التعامل معها والتفلّت منها بشكل أو بأخر؛ وثانيتهما تبالغ بما يجري وتعتقد أن على سورية الانصياع بأي ثمن للضغوطات الأمريكية.

وفي الواقع فإن هاتين المقاربتين تبالغان في الأمر وتضرّان بالمصالح السورية والعربية. إذ لا يوجد في الواقع السياسي ثنائيات على مثل هذا التبسيط، مع أو ضد/ أبيض أو أسود/ صح أو خطأ، فالواقع السياسي مركّب ومتحرك ومتغير.

معنى ذلك أن سورية معنية بأخذ جميع الاحتمالات والمخاطر، بجدية بالغة، وتهيئة الأوضاع لكل السيناريوهات المحتملة، عبر مراجعة بناها وسياساتها وتحصين أوضاعها وتعزيز منعتها، تجاه ما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية، بمعزل عن العواطف والرغبات أو التمنيات.

ولا شكّ أن ذلك يتطلب أساسا اعتراف سورية بصعوبة الأوضاع التي تواجهها، وعدم استهانتها بما يحيط بها من ابتزازات وتهديدات، خصوصا أن مثل هذه الضغوط باتت تطال دولا صديقة للولايات المتحدة، ذاتها، في المنطقة وفي غيرها.