معايير النصر أو الهزيمة/توجان الفيصل

معايير النصر أو الهزيمة/توجان الفيصل

أن يستوقفك عامة الناس، من غير الملمّين بالسياسة إلماماً كافياً، متسائلين عما تعتقد أنه نهاية العدوان علي العراق، ومن سينتصر علي من، أمر طبيعي ويعكس قلق الشارع العربي بأكمله علي العراق وعلي الأمة العربية جمعاء. ولكن أن يسألك ذات السؤال من يُفترض أنهم محترفو سياسة، فهو مستغرب.. أما أن يطرح ذات السؤال نفر من أبواق الأمريكان، وأمام قطاعات من الشعب الصادقة في قلقها ولهفتها، وفي ظن هؤلاء السائلين أن الإجابة هي حتميّة انتصار الأمريكان وحلفائهم، وأنهم بهذا يثبّتون للجماهير عبثيّة وقفتهم مع العراق وعبثيّة طروحاتنا نحن الباقون علي قوميّتنا ووطنيّتنا.. فهذا أمر يتجاوز الخيانة، ولا يوصّف إلاّ بألفاظ نترفع عن استعمالها.
نعترف أن في فمنا ماء، حين نأتي لوصف هؤلاء.. ولكن فمنا مليء بالرد، وبالحجّة النابعة من المنطق والعقل والضمير، وحتي بمعايير الجدوي ، التي هي غير معايير "النفعيّة"، في السياسة وحتي في الشؤون العسكرية..
إذا كان الأمر متعلقاً بفارق القوة المتأتية من السلاح الأكثر كمّا وتطوّراً، ومن القوة الاقتصادية دونما اعتبار لشرعية مصادرها، ومن النفوذ الدولي دونما اعتبار أيضاً لشرعيته.. فإن أمريكا هي الأقوي في هذه الحرب، وهي الأقدر حتماً علي إحداث قدر أكبر من الدمار في الجانب العراقي، خاصة أنها ليست وحدها في المعركة ـ كما هو حال العراق للأسف ـ بل إن إلي جانبها حلفائها البريطانيين والأستراليين والإسبان.. هذا إضافة إلي حلفائها المستترين بما ابتلوا من العرب، وحلفائها الضمنيين الذين يسمحون لها باستعمال أجوائهم.
ومع أن العراق لم يختر هذه الحرب، وسعي جهده إلي تلافيها، إلاّ أنه قد قبل بها راضياً إذا اعتبرنا ما وصلت إليه متطلبات تفاديها فعلاً، مما لا يمكن أن يهبط إليه العراق شعباً أو قيادة. وهذا القبول هو خيار أخلاقي قام به العراق في زمن اشتدت فيه الحاجة إلي العودة إلي المعايير الأخلاقية في السياسة في العالم أجمع. وفي هذا الإطار فهو قد استعد لدفع الثمن الذي يحتّمه الدفاع عن تلك المعايير. وفي ضوء ما تعنيه تلك المعايير في السياسة والإقتصاد والعسكرية، وبمقدار ما يقدّمه العراق خدمة وإعادة لتكريس تلك المعايير يمكن قياس نتائج تلك الحرب، ويمكن تحديد من المنتصر فيها..
لا يختلف اثنان علي أن تغوّل أمريكا وانفرادها بالسلطة علي الساحة الدوليّة قد أدّي إلي هدم أركان كل ما هو نظيف وشريف ويستحق الحياة أو الموت لأجله في عالمنا. فتغوّل أمريكا أدّي إلي انتكاسة مروّعة في حقوق وكرامة الإنسان والشعوب، وصولاً إلي انتشار الفقر والمجاعة والمرض (السيطرة علي مصادر الغذاء والمواد الأولية وحقوق تصنيع وأسواق وأسعار الدواء) وصولاً بالشعوب إلي حالة العبوديّة بمعناها الحرفي (الإتجار بالرق لأغراض الدعارة والعمالة الإستغلالية، والتي طالت الأطفال وحتي الشبان إضافة لضحاياها التقليديين من النساء) وتدمير البيئة بما يهدّد بانقراض العديد من السلالات الحية، وصولاً إلي تهديد الجنس البشري ذاته، خاصة في ضوء استمرار تطوير وتكريس أسلحة الدمار الشامل والتي انسحبت أمريكا من كل الإتفاقيات التي سبق وقبلت بها (علي قصور هذه الاتفاقيات عن وضع حد للخطر)، ناهيك عن العديد مما لم تقبل به أصلاً، وأصرّت علي أنها فوق المحاسبة، حتي لو علي دمار العالم...
والآن، وفي ظل إدارة بوش الإبن المفتقرة إلي أدني مقومات العقلانيّة والمنطق والضمير، والمنغمسة في تهويمات الخرافة وجنون السلطة التي تعتقد بحق إلهي يخوّلها لها وحدها.. الآن بدأت أمريكا خطواتها الأولي نحو تكريس الحالة المتردية التي أشرنا إليها بإيجاز، وعن طريق استعمال القوة، وبالذات أسلحة الدمار الشامل، المجرّب منها والجديد الذي سيجري تجريبه علي الشعوب الأخري وعلي ذات الجيش الأمريكي (بعد الإلقاء به في صحراء ما في مكان بعيد) حسب اعتراف أمريكا ذاتها..
هذا الخطر استشعرته أوروبا وكندا والعالم العاقل، وأدركت أنه إن كان قد وصل إلي أعتابها اليوم، فإنه قد يداهم بيوتها فجر الغد.. ولهذا قام عقلاء من أمثال شيراك وشرودر بانتفاضة أوروبية ، تواكبها انتفاضات متفرقة في العالم الثالث (شافيز في فنزويلا ومهاتير محمد في ماليزيا والحزب الحاكم في كوريا الشماليّة.. وآخرون يتلمّسون طريقهم للإعتراض بشيء من الحذر كما في جنوب أفريقيا بقيادة تيار مانديلا الذي يشكّل المرجعيّة الأخلاقيّة في السياسة، وفي سوريا بقيادة بشّار الأسد الواقع في بحيرة عربية آسنة وعليه في الوقت نفسه مواجهة مستلزمات جبهة أخري مؤجّلة لا تقل خطورة مما يجري من تصفية جائرة لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي).. ولكن لا أحد من هؤلاء وُجّهت له أسلحة الدمار الشامل الأمريكية، ولا أحد حطّت علي أرضه جحافل جيوش أمريكا وحلفائها بكل معدّاتها المتطوّرة في إعلان صريح لعودة الإستعمار بقوة السلاح وبالإحتلال المباشر وليس مجرّد الهيمنة السياسية عن بعد.. لا أحد سوي العراق وحده الذي لا يعينه فعليّا إلاّ بضعة آلاف من المتطوّعين الذين تمكنوا من السفر إليه رغم اعتراضات دولهم وحكوماتهم..
إن مجرّد قبول التصدّي ـ وقد كان ولازال بالإمكان الخنوع والخضوع ـ لمثل هذا التحدّي هو انتصار بحد ذاته. وتمكّن العراق من حشد كافة شعوب العالم وراءه في تأييد غير مسبوق لدولة من العالم الثالث في مواجهة أمريكا بالذات التي استعمرت عقول العالم طوال عقود وما بعد الحرب العالميّة الثانية مسخّرة آلة إعلامية دعائيّة مدعومة بتفوّق تكنولوجي في عصر التكنولوجيا.. هو انتصار آخر غير مسبوق. وتمكّن العراق من حشد تحالف شعبي محارب أيضاً ـ تمثله الدروع البشريّة والفدائيين المتطوعين وأيضاً الذين يقومون بعمليات مقاومة سلميّة أو مسلّحة ضد المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها ـ مكوّن من مختلف شعوب العالم وموزّع في مختلف أبقاع المعمورة،يشكّل انتصارا علي أمريكا يكسر منظومة "التحالف الدولي" التي اخترعتها مؤخراً كوسيلة للسيطرة المباشرة،بدلاً من السيطرة غير المباشرة عن طريق الأمم المتحدة وباسمها فقد ضاقت أمريكا ذرعاً بالمنظمة التي يفترض أنها قامت لأجل السلم العالمي، ، وبأن لكافة شعوب العالم حق العضويّة فيها، وبواقع أن تشارك أمريكا وتتساوي معها أربعة دول أخري في العضوية الدائمة وحق الفيتو في مجلس الأمن التابع لتلك المنظمة. في حين أن التحالف الأمريكي الجديد ـ الذي أقامته، دونما صدفة، لأول مرّة ضد العراق أيضاً عام 1991، واستعمل حتي داخل أوروبا في حرب البلقان ـ هو تحالف نخبوي تقوده أمريكا منفردة.. وهو وريث تاريخي لمجمل التقسيمات الإستعمارية القديمة: الدول الغنيّة والعرق الأبيض والشمال مقابل الجنوب، ويستوحي منظمة الكومنولث البريطاني عند إدخاله أعواناً صغارا من خارج نادي المستعمرين القدامي البيض" للزج بهم في مواجهات اقتصادية ومصادمات عسكرية أرضيّة كأكباش فداء، دونما اشتراك لهم في القرار أو المنافع والمغانم علي قدم المساواة...
هذا التحالف الأمريكي المستحدث يواجهه الآن التحالف الدولي الشعبي الجديد الذي يمثل العراق (وليس حتي فرنسا وألمانيا) قطبه الرئيسي، رغم كون العراق عالماً ثالثاً بالتصنيف الدولي، ورغم كل ما حيك حوله من دعايات فاقت ما لحق بالنازيّة إبان وبعد الحرب العالميّة، وما لحق بالإتحاد السوفيتي وكوبا أثناء قيام الستار الحديدي وبعد انهياره. وهو تحالف سيبقي ولو تم اجتياح العراق واحتلاله. ففرنسا وألمانيا (ومعها روسيا ودول أخري كبري متضرّرة من انفراد أمريكا) ستكونان في قمّة الغباء إن لم تتحركا لتولّي قيادته وحصد محصوله، خاصة وأن أمريكا قد بدأت عملياً في البحث عن الغنائم والأسلاب في أرض العراق وعقدت بشأنها إتفاقيات، وهي بعد لم تحقق أي انتصار علي تلك الأرض.
أجل، أمريكا لم تحقق أي انتصار، رغم كل تفوقها العسكري، علي أرض العراق، بل إن هزائمها تتوالي بشكل فاجأ العالم بأسره. وهذا يعني أنه، ورغم عدم التكافؤ العسكري بين أكبر قوة دولية ودولة تم نزع سلاحها وتدمير اقتصادها وكامل بناها التحتية علي مدي اثني عشر عاماً، بما في ذلك أسلحة الدفاع والبني التحتية اللازمة للحياة المدنية.. فإن فرص هزيمة أمريكا تبدو ممكنة، وهزيمتها تتحقق في أمرين: عجزها عن عزل النظام العراقي، أو عجزها عن احتلال العراق ودخول مدنه. وهذان تحدّيان يُظهران كل يوم من أيام الحرب علي مدي الأسبوعين الأولين منه ـ وهما الأسبوعان اللذان قيل أنهما سيحسمان الحرب لصالح أمريكا ـ بأنهما أكبر مما راهنت أمريكا عليه.
بغض النظر عن خسائر العراق الماديّة والبشريّة، ونحن نعلم ويعلم العراق قبلنا أنها ستكون فادحة، فإن جدوي الحرب التي يخوضها منفرداً ضد أعتي قوة في العالم لا جدال حولها.. الجدال فيما يبدو حول نفعيّة هي معيار المنتفعين من الحرب، وهم ذاتهم المنتفعون من الحصار، ومن كل المصائب الانسانيّة. فالعراق يخوض، بدلاً عن العالم أجمع، أوّل امتحان لهذه القوّة الهمجيّة تريد به تأديب العالم. وبمجرّد خوضه للحرب، وبما حققه حتي هذه اللحظة يكون قد انتصر للإنسانيّة، وللتعدّدية في العالم ورفض القطب الواحد، ولحقوق الشعوب في تقرير مصيرها والسيطرة علي ثرواتها، ولسيادة الدول ولو كانت من العالم الثالث، ولمساواة الشعوب بغض النظر عن ألوانها وتصنيفاتها.. وأخيراً لسيادة الحواروالتفاهم بين دول وشعوب العالم بدلاً من القوّة الهمجيّة. فقد أثبت العراق لأمريكا حتي الآن أن اللجوء إلي القوة يدفع ثمنه الطرفان. وخسارة المعتدي مضاعفة لأنه هو المسؤول عنها، ولأنها بلا مبرّر أخلاقي..
قدر العراق، منذ نبوخذ نصّر ومن قبله، أن يكون كبيراً وصانعاً للتاريخ. وآلاف السنين تشهد علي دوره الإقليمي والدولي الذي لا ينقطع. فحتي سلاسل الدمار البربري التي نشهد الآن واحداً منها، كان العراق يقوم منها، كالعنقاء تبعث من رمادها. ودراسة التاريخ هامة لمن يريدون التحدث في السياسة أو العسكريّة. فهذه حقول لا تسعف فيها نفعيّة بائع متجوّل أو سمسار..


* كاتبة اردنية وعضو سابق في مجلس النواب