معرض <أمريك>.. الحضور العربي في أميركا الجنوبية البرازيل تصافح العرب على امتداد 800 سنة

معرض <أمريك>.. الحضور العربي في أميركا الجنوبية البرازيل تصافح العرب على امتداد 800 سنة

قد يكون أخطأ المشرفون على معرض <أمريك> في اختيار متحف روبير معوض (قصر هنري فرعون سابقاً)، ذلك أن وجود الصور الفوتوغرافية، على ما فيها من تعابير وعِبَر، إلى جانب تحف وأعمال أثرية قديمة ومجوهرات <تأخذ الألباب>، يخلّ بتوازن المشهد لصالح الأعمال المتحفية المعروضة بشكل ثابت وأنيق.

فإن ما يعلق أكثر في ذهن زائر المعرض هو تلك الجاذبية القوية التي تكمن في موجودات القصر أو مقتنيات المتحف المذكور. فعلى امتداد الطابقين اللذين يتكون منهما القصر تنتشر تماثيل حجرية أثرية، أوانٍ ثمينة قديمة، سجاد عتيق قيّم، أيقونات، أدوات زينة، ومجوهرات باهظة الثمن، وإلى ما هنالك من مدّخرات تبلغ قيمة بعضها ملايين الدولارات.
أكثر من ذلك، فإن جدران القصر المزخرفة والمرخّمة والمنحوتة بدقة وجهد وتكلفة، تجعل العرض عليها أو أمامها مغامرة غير محسوبة.

مع هذا، تبقى قيمة المعرض، بعيداً عن كل تلك المشهدية، حاضرة وبيّنة لمن يتروّى في تجواله بين الصور الفوتوغرافية، تلك التي حملت همّ إظهار الحضور العربي في أميركا الجنوبية، بل هدف وزارة الخارجية البرازيلية، التي قدمت هذا المعرض عبر سفارتها في بيروت، أن تمد اليد الأميركية الجنوبية إلى العرب، فيتبارك انعقاد القمة الأولى بين أميركا الجنوبية والدول العربية في برازيليا.

مهمة المعرض أن يظهر بشكل حسي، بالصورة الفوتوغرافية التي تقنع المشاهد باستمرار الأثر العربي في تلك البلاد، واستمرار الثقافة والتقاليد والفولكلور، وما يجتمع مع ذلك من هندسة معمارية وفنون الطبخ، كلها محمولة ومكرسة من جيل المهاجرين الأوائل إلى الأميركيتين في المرحلة الممتدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية من القرن الماضي.

التبولة

الصور المعروضة التقطتها عدسات 23 مصوراً فوتوغرافياً من 10 دول أميركية جنوبية. وهي تقدم نماذج من عائلات تغلب عليها الأصول اللبنانية والسورية، بشكل أساسي، كما تقدم صوراً لكنائس ومساجد وأضرحة عليها نقوش وكتابات عربية، أو تزيّنها خطوط عربية متنوعة. ومن بين الصور مجموعة وثائق ملكية وهويات وسوى ذلك، حملها أصحابها معهم في بدايات القرن الماضي.

وفي المعرض مدارس عربية، وفرق أناشيد موسيقية، ومشاهد من الرقص الشرقي، بالإضافة إلى آلة العود ولعبة النرد والأزياء والأقمشة والمطرزات العربية، والنارجيلة والحلويات، ولا ننسى التبولة والفطائر والسفيحة...

ولم يكن هدف المعرض العودة بالأثر العربي في تلك البلاد، أو العودة بالتاريخ إلى قرن مضى أو قرنين، إنما هدف أيضاً إلى إبراز تجذّر العلاقة أكثر فأكثر، من خلال الذهاب بها بعيداً في عمق التاريخ، وصولاً إلى الحضور الأسباني الذي حمل إلى أميركا الجنوبية عادات وتقاليد عربية منقولة عبر الثروات الحضارية التي اختزنتها ونقلتها بلاد الأندلس.

مغامرة العربي

المعرض يحمل إلينا أيضاً قصة مغامرة العربي، في تلك البلاد التي بدأ فيها تاجراً متجولاً يحمل <الكشة> ليحصل قوته اليومي، وخلص فيها تاجراً. أو بدأ فيها غريباً، ليخلص مواطناً تتمازج هويته بهويات أبناء البلاد.
المعرض يحمل إلينا قصة ضيوف تمسكوا بمضيفيهم واستمروا يعملون لخدمة البلاد التي أنقذتهم ذات يوم من حياة البؤس والعوز، بل ساهموا في إعلاء شأنها وصناعة نهضتها. يحمل إلينا قصة تعايش جميل، فيه الأخذ والعطاء بالميزان، وفيه عرفان الجميل متبادل، وفيه حبل العلاقة مشدود بقوة عبر قارتين.

وإذا كانت الصور اتخذت طابعاً توثيقياً أكثر مما اهتمت بالناحية الفنية الفوتوغرافية، فإن المعرض، بكل بساطة مصافحة جميلة تمر عبرها التواريخ والذكريات والأجيال، وتبقى ندية.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018